فهرس الكتاب

الصفحة 8041 من 9994

وَلم يُقبَضْ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ حتى أُكمِلَ لَهُ وَلأُمَّتِهِ الدِّينُ، قال سبحانَه: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) ) (المائدة:3) .

وقال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( وَأيمُ اللهِ لَقَد تَركتُكُم على مِثلِ البَيضَاءِ لَيلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ ) ).

وقال أَبُو ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عنه ـ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَمَا طَائِرٌ يُحَرِّكُ جَنَاحَيهِ في السَّمَاءِ إِلاَّ وَقَد ذَكَرَ لَنَا مِنهُ عِلمًا.. وَلمَّا شَكَّ نَاسٌ في مَوتِهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ قال عَمُّهُ العَبَّاسُ ـ رضي اللهُ عنه ـ: وَاللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ حتى تَرَكَ السَّبِيلَ نَهجًا وَاضِحًا، وَأَحَلَّ الحَلالَ وَحَرَّمَ الحَرَامَ، وَنَكَحَ وَطَلَّقَ، وَحَارَبَ وَسَالَمَ... وفي الجُملَةِ ـ أيها المسلمون ـ فَمَا تَرَكَ اللهُ وَرَسُولُهُ حَلالاً إِلاَّ مُبَيَّنًا، وَلا حَرَامًا إِلاَّ مُوَضَّحًا ، فَهَدَى اللهُ المُؤمِنِينَ المُتَّقِينَ ، أَهلَ العِلمِ وَاليَقِينِ ، فَأَخَذُوا بِالحَلالِ وَاكتَفُوا بِهِ ، وَاجتَنَبُوا الحَرَامَ وَابتَعَدُوا عَنهُ ، لَكِنَّهَا بَقِيَتْ أُمُورٌ مُشتَبِهَاتٌ ، لا يَجرُؤُ أَحَدٌ عَلَى تَحرِيمِها بِتِلكَ السُّهُولَةِ وَاليُسرِ، وَالقَائِلُ بِحِلِّهَا قَلِيلٌ وَقَد يَكُونُ مُتَرَدِّدًا، فَكَانَ سَبِيلُ المُؤمِنِ الخَائِفِ عَلَى دِينِهِ، الذي يَخشَى الهَلاكَ بِالوُقُوعِ في الحَرَامِ، كان سَبِيلُهُ التَّوَرُّعَ عَنهَا وَاجتِنَابَهَا، وَتَركَهَا وَالزُّهدَ فِيهَا، وَقَد كان ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ إِمَامًا في ذلك وَقُدوَةً ، كَمَا هُو في غَيرِهِ قُدوَةٌ وَإِمَامٌ ، عن أنسٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ أن النبيَّ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وَجَدَ تَمرَةً في الطَّرِيقِ فَقَالَ: (( لولا أَني أَخَافُ أَن تَكونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكلتُها ) ).

وهو الذي قال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى مَا لا يَرِيبُكَ ) ).

وَهَكَذَا كان أَصحَابُهُ ـ رُضوَانُ اللهِ عَلَيهِم ـ لا يُدخِلُونَ بُطُونَهُم إِلاَّ الحَلالَ النَّقِيَّ، وَهَذَا مِثالٌ لأَعظَمِهِم إِيمَانًا وَأَثقَلِهِم مِيزَانًا، إِنَّهُ أَبُو بَكرٍ الصَّدِيقُ، فَعَن عَائِشَةَ ـ رضي اللهُ عنها ـ قَالَت: كان لأَبي بَكرٍ ـ رضي اللهُ عنه ـ غُلامٌ يُخرِجُ لَهُ الخَرَاجَ ، فَكَانَ أَبُو بَكرٍ يَأكُلُ مِن خَرَاجِهِ ، فَجَاءَ يَومًا بِشَيءٍ فَأَكَلَ مِنهُ أَبُو بَكرٍ ، فَقَالَ لَهُ الغُلامُ: تَدرِي مَا هَذَا ؟ فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: كُنتُ تَكَهَّنْتُ لإِنسَانٍ في الجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحسِنُ الكَهَانَةَ إِلاَّ أَني خَدَعتُهُ، فَلَقِيَني فَأَعطَاني بِذَلكَ ، فَهَذَا الذي أَكَلتَ مِنهُ، قَالَت: فَأَدخَلَ أَبُو بَكرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ في بَطنِهِ- فَرَضِيَ اللهُ عَنهُ- مَا أَتقَاهُ وَأَورَعَهُ ! رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَا أَحرَصَهُ عَلَى أَكلِ الحَلالِ وَالبُعدِ عَنِ الحَرَامِ ! لم يَقُلْ هَذَا مَالٌ عَلَى الغُلامِ غُرمُهُ وَلي غُنمُهُ، لم يَقُلْ عَلَيهِ كَدَرَهُ وَلي صَافِيهِ ، بَل أَدخَلَ يَدَهُ وَقَاءَ مَا في جَوفِهِ، فَأَينَ مِنهُ مَن يَأتي الشُّبُهَاتِ مَعَ اشتِبَاهِهَا عَلَيهِ ، أَينَ مِنهُ مَن يُسَاهِمُ في شَرِكَاتٍ وَصَنَادِيقَ وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّ فِيهَا نِسبَةً مِنَ الرِّبَا وَالمُعَامَلاتِ المُحَرَّمَةِ ؟ وَكُلُّ حُجَّتِهِ أَنَّهَا نِسبَةٌ ضَئِيلَةٌ لا تَكَادُ تُذكَرُ، وَأَنَّهُ سَوفَ يَتَخَلَّصُ مِنهَا بَعدَ انتِهَاءِ المُسَاهَمَةِ، لَقَد أَخبَرَ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ أَنَّ مَن وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ فَقَد وَقَعَ في الحَرَامِ ، فَأَينَ تَذهَبُونَ ؟ أَينَ تَذهَبُونَ أَيُّها المُتَسَاهِلُونَ ؟ وَلَقَد فَسَّرَ العُلَمَاءَ ذَلِكَ بِمَعنَيَينِ:

أَحدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ارتِكَابُهُ لِلشُّبهَةِ مَعَ اعتِقَادِهِ أَنَّهَا شُبهَةٌ ذَرِيعَةً إِلى ارتِكَابِهِ الحَرَامَ الذي يَعتَقِدُ أَنَّهُ حَرَامٌ بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّسَامُحِ.

وَالثَّاني: أَنَّ مَن أَقدَمَ عَلَى مَا هُوَ مُشتَبِهٌ عِندَهُ لا يَدرِي أَهُوَ حَلالٌ أَو حَرَامٌ، فَإِنَّهُ لا يَأْمَنُ أَنْ يَكونَ حَرَامًا في نَفسِ الأَمرِ، فَيُصَادِفَ الحَرَامَ وَهُوَ لا يَدرِي أَنَّهُ حَرَامٌ .

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّهُ يَنبَغِي لِلمُؤمِنِ التَّبَاعُدُ عَنِ المُحَرَّمَاتِ وَالتَّجَافي عَنهَا، وَأَنْ يجعَلَ بَينَهُ وَبَينَهَا حَاجِزًا قَوِيًّا وَسَدًّا مَنِيعًا، سَالِكًا مَسلَكَ الوَرَعِ وَاتِّقَاءِ الشُّبُهَاتِ وَالرِّيَبِ، رُوِيَ عنهُ ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ وحسَّنهُ بعضُهُم أَنَّهُ قَالَ: (( لا يَبلُغُ العَبدُ أَنْ يَكونَ مِنَ المُتَّقِينَ ، حتى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بِهِ حَذرًا ممَّا بِهِ بَأسٌ ) ).

وقال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعبَدَ النَّاسِ ، وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشكَرَ النَّاسِ ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفسِكَ تَكُنْ مُؤمِنًا ، وَأَحسِنْ مُجَاوَرَةَ مَن جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسلِمًا ، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثرَةَ الضَّحِكَ تُمِيتُ القَلبَ ) ).

وقال ـ صلى اللهُ عليه وسلم ـ: (( فَضلُ العِلمِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِن فَضلِ العِبَادَةِ، وَخُيرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ ) ).

وقال أَبُو الدَّردَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عنه ـ: تَمَامُ التَّقوَى أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ العَبدُ ، حتى يَتَّقِيَهُ مِن مِثقَالِ ذَرَّةٍ ، وَحَتى يَترُكَ بَعضَ مَا يَرَى أَنَّهُ حَلالٌ خَشيَةَ أَنْ يَكونَ حَرَامًا ، حِجَابًا بَينَهُ وَبَينَ الحَرَامِ .

وَقَالَ الحَسَنُ ـ رحمه اللهُ ـ: مَازَالَتِ التَّقوَى بِالمُتَّقِينَ حَتى تَرَكُوا كَثِيرًا مِنَ الحَلالِ مَخَافَةَ الحَرَامِ .

وَقَالَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ ـ رحمه اللهُ ـ: إِنَّمَا سُمُّوا المُتَّقِينَ ؛ لأَنَّهُمُ اتَّقُوا مَالا يُتَّقَى .

وَقَالَ مَيمُونُ بنُ مِهرَانَ ـ رحمه اللهُ ـ: لا يَسلَمُ لِلرَّجُلِ الحَلالُ ، حتى يَجعَلَ بَينَهُ وَبَينَ الحَرَامِ حَاجِزًا مِنَ الحَلالِ.

وَقَالَ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ ـ رحمه اللهُ ـ: لا يُصِيبُ عَبدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ، حتى يَجعَلَ بَينَهُ وَبَينَ الحَرَامِ حَاجِزًا مِنَ الحَلالِ، وَحتى يَدَعَ الإِثمَ وَمَا تَشَابَهَ مِنهُ .

وَقَالَ الفُضَيلُ ـ رحمه اللهُ ـ: يَزعُمُ النَّاسُ أَنَّ الوَرَعَ شَدِيدٌ ، وَمَا وَرَدَ عَلَيَّ أَمرَانِ إِلاَّ أَخَذْتُ بِأَشَدِّهِمَا، فَدَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلى مَا لا يَرِيبُكَ .

وَقَالَ حَسَّانُ بنُ أَبي سِنَانَ: مَا شَيءٌ أَهوَنَ مِنَ الوَرَعِ، إِذَا رَابَكَ شَيءٌ فَدَعْهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت