فهرس الكتاب

الصفحة 3426 من 9994

لقد حرم الرسول صلى الله عليه وسلم أعراض الناس فلا يجوز لأحد العبث بها أو المساس بها، ومن العبث والمساس بها غيبتها وبهتانها. بل بين النبي صلى الله عليه وسلم عاقبة الذي يتتبع عورات المسلمين فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولاتتبعوا عوراتهم فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته )) أخرجه أبو داود.

فالواجب علينا أن إذا وجدنا في أحد المسلمين عيباً سترناه، ونقصاً كملناه, لا أن نجعل منه حديث مجالسنا، ومنتدى مسامرنا.

أتعلمون أيها المسلمون: أن الذي يغتاب الناس يفضحه الله في جوف داره، وليس ذلك فقط بل يناله العذاب في القبر قبل الآخرة فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فيعذب في البول وأما الآخر فيعذب في الغيبة) [6] . وقد بين حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ما هو العذاب فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم) [7] .

قال عمر رضي الله عنه: عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء، وإياكم وذكر الناس فإنه داء، وقال الحسن البصري رحمه الله: ذكر الغير ثلاثة: الغيبة، والبهتان والإفك، وكل في كتاب الله عز وجل. فالغيبة ما تقول فيه, والبهتان أن تقول ما ليس فيه، والإفك أن تقول ما بلغك, وقال أيضاً: والله للغيبة أسرع في دين الرجل من الأكلة في الجسد والأكلة السرطان. وقال: يا ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان شغلك فيك خاصة، وأحب العباد إلى الله من كان هكذا. وروي عن الحسن أن رجلاً قال له: إن فلاناً قد اغتابك فبعث إليه رطباً على طبق، وقال: قد بلغني أنك أهديت إليَّ من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أكافئك على التمام. [8] والغيبة ليست مذمومة على الإطلاق فلقد أجاز أهل العلم الغيبة في بعض الأحيان وذلك في ستة أسباب: أولاً: المتظلم فيجوز للمتظلم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي فيقول ظلمني فلان بكذا. ثانياً: الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول فلان يعمل كذا، ويكون مقصوده إزالة المنكر فإن لم يقصد ذلك كان حراماً. وثالثاً: الاستفتاء فيقول للمفتي: ظلمني أبي وأخي أو زوجي... إلخ. فهذا جائز للحاجة والأحوط أن يقول: ما تقول في رجل كان من أمره كذا... إلخ.

رابعاً: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم وذلك من وجوه: منها جرح المجروحين من الرواة والشهود وذلك جائز بإجماع بل واجب للحاجة. ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان وهذا وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فأما معاوية فصعلوك لا مال له... الحديث)رواه مسلم. أو المشاورة في مشاركة إنسان أو إيداعه أو معاملته أو غير ذلك أو مجاورته ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة، ومنها إذا رأى متفقهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم فعليه نصيحته وتحذيره منه.

خامساً: أن يكون مجاهراً بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر وما أشبه ذلك فيجوز ذكره بما يجاهر به.

سادساً: التعريف به، فإذا كان معروف بلقب كالأعمش، والأعرج والأصم والأحول جاز تعريضهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة النقص ولو أمكن تعريفه بغير ذلك لكان أولى. [9]

هذه هي المواطن التي تجوز فيها الغيبة وأما ما سواها فلا تجوز أبداً.

أخيراً: اعلموا عباد الله أن الغيبة سرطان المجتمع وسبب تفككه وتمزقه فاجتنبوها تفوزوا برضوان الله ثم برضوان المسلمين.

وصلوا وسلموا على النبي الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

[1] - ابن كثير (4/225) .

[2] - ابن كثير (4/225) .

[3] -رواه أبو داود وضعفه الألباني.

[4] - ابن كثير (4/227) .

[5] - أبو داود واللفظ له والترمذي.

[6] -رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.

[7] -رواه أبو داود وصححه الألباني.

[8] - رواه أحمد في المسند وابن ماجه واللفظ له، وقال الحافظ في الفتح أخرجه أحمد والطبراني بإسناد صحيح.

[9] - رياض الصالحين (450-451) والزاجر لابن الهيثمي (383-384) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت