فهرس الكتاب

الصفحة 3425 من 9994

إن الغيبة هي: ذكر العيب بظهر الغيب. وقال الكفوي: أن يتكلم خلف إنسان مستور بكلام هو فيه. وقال التهانوى: الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره لو بلغه سواء ذكرت نقصاناً في بدنه أو في لبسه، أو خُلُقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، أو في ولده، أو في ثوبه، أو داره، أو دابته.

أيها الإخوة: قد يظن ضان أن الغيبة تكون بالقول فقط. والصحيح أنها لا تقتصر على القول فقط؛ بل تجري في الفعل كالحركة والإشارة والكناية لما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا تعني أنها قصيرة فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بما البحر لمزجته. وقالت: وحكيت له إنساناً فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا) [5] .

لا إله إلا الله!! كلمة بسيطة (قصيرة) من دنسها لو مزجت بما البحر العظيم لمزجته، أتدرون ما البحر؟إن السفن والطائرات والمجاري وغيرها تفرغ مخلفاتها في البحار ولا تستطيع أن تغير البحر لعظمه وسعته وانظروا هذه الكلمة التي هي في نظر الكثير بسيطة لو مزجت بما البحر لمزجته.

أيها المسلمون: لو نظرنا إلى مجالسنا اليوم فإن كثيراً منها مجالس سوء تكسوها المنكرات وعلى رأسها الغيبة، لا يكاد يجتمع رجال أو نساء إلا وتكلموا في الناس وتكلموا في أعراضهم وفلان كذا، وطبعه كذا، وهم لا يدركون أنهم يرتكبون كبيرة من الكبائر وعظيمة من العظائم، التي تغضب الله تعالى.

أيها المسلمون: إن الشيطان يمر على المجالس فيرى فيها الغيبة ويزينها للناس، ويحبب الحديث لهم حتى يزدادوا إثماً. إن المغتاب للناس لهو رجل مغفل أحمق. لأنه يهدي الرجل الذي اغتابه يهديه حسناته. وإن الذي اغتيب لفي نعمة فإنه تصله حسنات بلا جهد وعناء.

قال الغزالي وهو يذكر أسباب وبواعث الغيبة وفيما يلي خلاصتها:

أول باعث على الغيبة: شفاء المغتاب غيظه بذكر مساوئ من يغتابه. وثاني باعث: مجاملة الأقران والرفاق ومشاركتهم فيما يخوضون فيه من الغيبة. ومن البواعث: ظن المغتاب في غيره ظناً سيئاً فذلك مدعاة لغيبته. ومن البواعث على الغيبة: أن يبرئ المغتاب نفسه من شيء وينسبه إلى غيره أو يذكر غيره بأنه مشارك له. ومن البواعث: رفع النفس وتزكيتها بتنقيص الغير، ومن البواعث أيضاً: حسد من يثنى عليه من قبل الناس أو يذكرونه بخير. ومن البواعث: الاستهزاء والسخرية وتحقير الآخرين. ومن البواعث أيضاً: قلة إيمان المغتاب وقلة ورعه وغفلته. ومن البواعث وقد ذكرناه سابقاً الشيطان فإنه وراء كل معصية يرتكبها الإنسان.

أيها المسلمون: إن الغيبة مرض خطير وداء فتاك، ومعول هدام، وسلوك يفرق بين الأحباب، وبهتان يغطي محاسن الآخرين، وبذرة تنبت شروراً بين المجتمع المسلم، وتقلب موازين العدالة والإنصاف إلى الكذب والجور وعلاج هذا المرض لا يكون إلا بالعلم والعمل، فإذا عرف المغتاب أنه تعرض لسخط الله يوم القيامة بإحباط عمله، وإعطاء حسناته من يغتابه في الدنيا، وقد يسلطه الله عليه, إذا علم هذا وعمل بمقتضاه من خير فقد وفق للعلاج.

أي شعور يصيب المغتاب عندما يرى حسناته التي عملها في الدنيا من صلاة وصوم وزكاة وصدقة وتلاوة للقرآن وحج وجهاد ودعوة.. إلخ. توزع هذه الأجور العظيمة والحسنات الكثيرة لأناس كان قد اغتابهم في الدنيا؟ أي شعور يصاب به ذلك المغتاب وأي موقف ذلك الموقف إنها حسرة إنها ندامة إنه قهر ما بعده قهر.

وأشبَّه ذلك برجل تعب زمناً طويلاً حتى جمع ثروة هائلة جداً، ثم بعد ذلك لم يتمتع بها وإنما أعطيت لغيره ماذا سيصنع؟ إن الكثير اليوم يصابون بأزمة قلبية أو جلطة أو ينتحر عندما يحدث له ذلك كمداً أو غيظاً وقهراً فكيف بذلك يوم القيامة.

ألا فلنتق الله في ألسنتا وأقوالنا وأعمالنا، وليسلم الناس منا نسلم منهم.

بار الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ولي المتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

عباد الله: خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام؟ قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، فأعادها مراراً ثم رفع رأسه، فقال: اللهم هل بغلت؟ اللهم هل بلغت؟ والحديث في الصحيحين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت