فهرس الكتاب

الصفحة 8828 من 9994

فيقول الله تعالى في كتابه الكريم: (( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) )تصف هذه الآيات الكريمات حالَ أقوامٍ من الناس تصدى لهم الوعاظُ والمذكرون والخطباءُ والمصلحون, يعظونهم صباح مساء بأرق المواعظِ وأبلغ الخطبِ, محاولين إعادة التائهيَن في صحراءِ غرورهم إلى واحةِ الإيمان واليقين, فما كان جواب أولئك المترفين إلا مزيداً من العناد والغرور, والاستكبار والنفور, إصراراً على الرذيلة, وإمعاناً في عبادة النفس والهوى .

فماذا تراه كان جزاؤهم؟ أتظنها صاعقة أحالتهم رماداً ؟ أم تظنها صيحةً خلعت قلوبهم في أجوافهم؟ أم تظنها ريحاً صرصراً عاتية جعلتهم أعجاز نخل خاوية ؟!

كلا لم يكن هذا, ولا ذاك بل كان جزاؤهم من نوع آخر لم يكن في الحسبان أبداً, لقد فتح الله عليهم أبواب كل شيء, فبسط لهم في أرزاقهم, واكتظت الثمرات في أسواقهم, تجبى إليهم من كل مكان, ومتعوا بصحةٍ في الأبدان وأمنٍ في الأوطانِ, وأمطرتِ السماءُ عليهم مدراراً, وفجرت الأرضُ من تحتهم ينابيعَ وانهاراً!

وبينا هم فرحون منعمون بما أوتوا من الخير والرزق العميم, قد انحصرت اهتماماتهم في الزينة واللذة والمتاع, واستسلمت نفوسهم للأهواءِ والشهواتِ, وبينا هم كذلك في أوجِّ لذتهم, وغاية نشوتهم, إذا بالعذاب يحل بغتةً, وإذا بالعقوبة تنزل فجأةً, فإذا هم مبلسون, يسكن البومُ ديارهم, وينعق الغرابُ فوق أطلالهم . (( وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ * فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) ).

وهكذا يمكر الله بجموعِ المعرضين, ويباغتُ بالعقوبةِ جماهير الغافلين, سنة الله التي لا تتغيرُ و لا تتبدل مهما تغيرَ الزمانُ أو تباين المكانُ, ولكن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرين!

أيها المسلمون: ويعرض القرآن الكريم أنموذجاً حياً لأمثال أولئك المعرضين المكذبين, ذكرى لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيد, إنها مملكة سبأ التي سادت ثم بادت, وأصبحت أثراً بعد عين, قد ذهب سلطانها وهيلمانها, وغدت روايةً وحكايةً تُحكى, فإلى حديثِ القرآن وهو يعرض قصتهم ويسجلُ نهايتهم فاعتبروا يا أولي الأبصار: (( لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ).

لقد كانوا في أرضٍ خصبةٍ وثمرةٍ يانعةٍ, جنتان عن يمين وشمال, رمزٌ ناطقٌ بالخضرة والجمال, والرخاءِ والمتاع, قال قتادة -رحمه الله-: « كانت المرأة تمشي تحت الأشجارِ وعلى رأسها مكتل أو زنبيل, فتساقط الثمار فيه من غير حاجة إلى كلفة أو قطاف, لكثرته ونضجه, واستوائه » ا.هـ.

وقد وهبهم الله ذكاءً ودهاءً, فتحكموا في القطرِ النازل من السماء, فبنوا سداً عظيماً عُرف بسد مأرب الشهير!! فكانوا يرتعون فيه, ويسقون ز روعهم ومواشيهم, في نظامٍ متقنٍ بديعٍ, لقد كانت حياتهم حياةُ الرفاهية بكل ما تحمله الكلمات من معانٍ, ولم يكن في بلادهم شيء من البعوضِ أو الهوامِ لاعتدال الهواءِ, وصحةِ المزاج, وعناية الله الفائقة بهم, كلوا من رزق ربكم و اشكروا له بلدةٌ طيبةٌ, وربٌ غفور, بلدة طيبة معطاء, آمنةً مطمئنةً رخاء ورب غفورٌ, ودودٌ رؤوف, جوادٌ رحيم, فأي عذر بقي لأولئك يحول بينهم وبين حسن القصد والعمل ؟!

ترى ماذا كان يضير سبأ لو أطاعوا ربهم, الذي أحاطهم بكل عناية, وشملهم بكل رعايةٍ, فأطعمهم من فوقهم, ومن تحت أرجلهم, بلا حدودٍ ولا حسابٍ, ماذا كان يضيرُ سبأ لو عرفوا للمتين الوهاب حقه, وأدركوا أن ما يتمتعون به من النعيم المقيم, والظل الوارف, والماء المسكوب, هو فضلٌ من الله ومنة ؟!! فلم التجبر والطغيان ؟؟

ماذا كان يضير سبأ لو أدركوا أن ما ينعمون به من رغدِ العيشِ وأمن البلادِ , إنما هو ابتلاء من الله لهم ليعلم - وهو العليم الخبير - أيشكرون أم يكفرون؟ أينسبون الفضل لله أم لأنفسهم الضعيفة ؟؟ (( كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) ).

فأعرضوا وهنا مَكمَن الخطأ, وبدايةُ النهايةِ , وبوادرَ الكارثةَ, فأعرضوا عن شكر النعمِ, وإجابة المرسلين , ورضوا لأنفسهم بالذِّلةِ والهوان, يوم استبدلوا بعبودية الله عبودية شمس تشرق وتغرب, ويحجب أشعتها ركامٌ يسير من السحاب!

(( فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ *إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ ) ) (النمل:24,23,22) .

يا لخيبتهم وتعاستهم !! نِعَمٌ تتنزلُ صباح مساء, وعطاءٍ بلا حدود, وفضلٍ بلا قيود ثم يقابل ذلك كله, بتأليهِ شمس مأمورة, لا تنفع ولا تضر.! لعمرك إن هذا لهو الضلال المبين! فاعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم يقتلع أشجارهم, ويُفسدُ ثمارهم, ويقوضُ ديارهم, ويطمسُ زهرة حياتهم.

لقد كان سيلاً مهولاً يحطم كل شيء , ويدمر كل شيء , ويُفسد كل شيءٍ, يحمل في طريقه الصخورُ العاتية, لتحطيم السُد العظيم, فينهمر طوفاناً جارفاً ليضيف إلى المصيبةِ مصيبةً, وإلى النقمة نقمة . (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) ) (هود:102) !! (( وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ) )يا سبحان الله ! هكذا في ساعةٍ من نهارٍ, إذا بالجنان الفيح والحدائق الغناء, تنقلب صحراءَ قاحلةً و بلاقع دامرة, لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً!!

وإذ بالثمار الناضجة, والظلال الوارفة, تتحول إلى شوكٍ حادٍ, وأثلٍ يابسٍ وشيءٍ من سدرٍ قليل, فأصبح السدرُ غايةَ ما تجودُ به مزارعهم الخاوية , مع لوعةً في القلب موجعةً, وحسرةً في الصدر كامنةً, ودمعةً في العين حارةً وما أهون الخلق على الخالق حين يعصون أمره !

حين يتجاوزون حدودهم, وتغرهم قوتهم, وتعجبهم كثرتهم, وليت الحالةُ البائسةُ وقفت عند هذا الحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت