ومن آداب الدعاء- بل هو من أهم الآداب- حضور القلب وخشوعه لله ومعرفة ما يدعو به، فإن الغافل اللاهي تتحرك شفتاه بالدعاء وقلبه مشتغل بأمر آخر وأنى لهذا الدعاء أن يصعد للسماء، والحق يرشدنا إلى هذا الأدب ويقول (( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ) (الأعراف:55) .
ويصف حال طائفة من المؤمنين فيقول عنهم: (( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) ) (الأنبياء:90) .
ومن آداب الدعاء وسننه أن يستقبل القبلة ويكون على طهارة، فذلك أقرب للقول وإن لم يكن ذلك شرطا لازما فيمكن أن يدعو المرء على كل حال وفي أي اتجاه كان لكن إن تيسر له الاستقبال وكان على وضوء فهو أولى وأحرى.
ومن آداب الدعاء أن يعزم الداعي الدعاء، ويوقن بالإجابة، فلا يقول مثلا: اللهم اغفر لي إن شت، أو ارزقني إن رغبت، فإن الله لا مكره له، بل يعزم المسألة، ولا يخامره شك في الاستجابة واضعا ذهنه أنواع الاستجابة المعملة أو الموكلة أو دفع السوء والمكروه، كما تقدم قال سفيان بن عيينة يرحمه الله: لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلمه من نفسه، فإن الله تعالى أجاب شر المخلوقين إبليس إذ (( قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ) ) (الأعراف:14) .
ومن آداب الدعاء عدم التكلف في الدعاء ، وخفض الصوت، وتكرار الدعاء ثلاثا والإلحاح في الدعاء، والدعاء في الرخاء إذ هو سبب لقبول الدعاء في حال الشدة والضر، وقد ورد في الحديث: (( من سره أن يستجيب الله تعالى له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء ) ).
هذه أبرز آداب الدعاء، ويبقى بعد ذلك أمر مهم وهو معرفة موانع الاستجابة للدعاء ليتجنبها.
ومن أبرز أسباب عدم قبول الدعاء المطعم الحرام والملبس الحرام، ورد في ذلك خبر الأشعث الأغبر الذي لا يزال يسأل! وطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له الحلال يستجب الله دعاءكم.
ومن موانع الاستجابة: الاستعجال في الدعاء والتوقف عنه والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (( يستجاب لأحدكم مالم يعجل يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي ) ) [9] .
وفي رواية لمسلم قيل يا رسول الله ما الاستعجال ؟ قال: (( يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر من يستجب لي فيستخسر عند ذلك ويدع الدعاء ) ) [10] .
ومن موانع الاستجابة في الدعاء الاعتداء في الدعاء والزيادة عن المشروع، والله تعالى يقول: (( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ) (الأعراف:55) .
وكم من دعوة بلغت عنان السماء وصاحبها خاشع لا يكاد جاره يسمع به لكن قلبه مرتبط بالسماء وشفتاه وقسمات وجهه تعبر عن صدق التضرع والالتجاء وكم من داع علا صوته وأسمع من حوله.. ولكن دعوته لم تتجاوز حدود مكان الدعاء، ولم يؤذن لها اختراق الحجب، بسبب اعتداء صاحبها أو تفريطه في الذنوب والمعاصي وعدم إقباله على الله بصدق وإخلاص وتوبة نصوح.
وأخيراً: يبقى أن تعلم أخي المسلم- أختي المسلمة- نماذج من الدعاء، حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تكرارها أو أوصى أحد أصحابه بالدعاء بها، فهي عون لك بإذن الله، وهي في عداد جوامع الدعاء التي ينبغي الحرص عليها وتكرارها، ومن هذه الأدعية الجوامع: (( اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك ) ) [11] .
وعلم أبا بكر أن يقول في الصلاة: (( اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) ) [12] .
قال الإمام النووي: وهذا الدعاء وأيه كان ورد في الصلاة فهو حسن نفيس صحيح فيستحب في كل موطن، وقد جاء في رواية (وفي نيتي) [13] .
وفي صحيح البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء، النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ) ).
زاد مسلم في روايته قال: ( وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، فإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه) [14] .
ومن الأدعية التي ينبغي الإكثار منها:يا ذا الجلال والإكرام، فقد ورد: (( ألظوا بيا ذا الجلال والإكرام ) ) [15] .
والمعنى الزموا هذه الدعوة وأكثروا منها.
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أي الدعاء أفضل؟ قال: (( سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة ) )، ثم أتاه في اليوم الثاني فسأله فقال له مثل ذلك، ثم أتاه في اليوم الثالث كذلك فقال له مثل ذلك وقال: (( فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت ) ) [16] .
ومن جوامع الدعاء ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها: (( اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله وأعوذ بك من الشر كله.. وأسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار... وأسألك خير ما سألك به عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك ورسولك... وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدا ) ) [17] .
إخوة الإسلام: ومن رحمة الله بنا وسعة فضله علينا في الدعاء أنه لا يعجل بإجابة الداعي على نفسه أو ولده أو ماله بالشر في حال الضجر والغضب وضعف النفوس، وذلك لعلمه سبحانه أن ذلك غير مقصود منا، وإنما هو التفريج عن الشدة التي نجدها أحيانا في نفوسنا، فنظن أننا نفرغها بالدعاء على أنفسنا وأموالنا وأولادنا.
بعكس ذلك في دعائنا بالخير فهو يستعجل الإجابة لنا، ويعطينا سؤلنا أو يدخر لنا خيرا منه في أخرانا. ولكم معاشر المسلمين فضل من الله وإحسان.. ويأملوا في حقيقة ذلك في قوله تعالى (( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) ) (يونس:11)
ومع ذلك- أخوة الإيمان- فلا ينبغي للمسلم أن يكثر من الدعاء على نفسه أو ولده أو ماله، مهما ضجر أو غضب، فالعاقبة وخيمة كما قال عليه الصلاة والسلام: (( لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم ) ) [18] .
قال مجاهد في تفسير هذه الآية: (( وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ ) )وهو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه (اللهم لا تبارك فيه والعنه، فلو سجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم) [19] .
[1] قال الترمذي: حديث حسن صحيح ، الأذكار للنووي/333 .
[2] الأذكار للنووي /333 .
[3] رواه الطبراني في الأوسط، والبيهقي في شعب الإيمان بسند صحيح ، صحيح الجامع 1/346 .
[4] الحديث رواه مسلم في صحيحه . رياض الصالحين/469 .
[5] يعني أكثر إحسانا مما تسألون ، الحديث رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح . رياض الصالحين /475 ، وزاد الحاكم في المستدرك: أو يدخر له من الأجر مثلها. وصححه ووافقه الذهبي . الدعاء/5 .
[6] رواه الترمذي وقال: حديث حسن . الأذكار/336 .
[7] رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد . الأذكار/338 .
[8] رواه الترمذي وقال: حديث حسن (رياض الصالحين/475) .
[9] متفق عليه .
[10] رياض الصالحين/475 .
[11] رواه مسلم
[12] متفق عليه
[13] الأذكار للنووي /334
[14] الأذكار / 333
[15] رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد . الأذكار / 338
[16] رواه الترمذي وقال: حديث حسن، الأذكار/338