اخوة الإيمان: إذا كان قيام الليل أعظم ما يرجى وأزكى ما يقدم في هذه العشر منحة قربات حري بالمؤمن أن يتقدم بها لمولاه في هذه الليالي والأيام الفاصلة.. فذكر الله على كل حال سياج من الشيطان ودرع واق للإنسان، ويكفي أن يعلم أن مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت.. وبرحم الله أمواتا رغبوا لأنفسهم الموت وهم بعد أحياء، ويرحم الله أمواتا إذا ذكرهم الناس ذكروا الله وإن كانوا أجداثا في قبورهم
فليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء.
فلا تمت نفسك أخي المسلم بالغفلة عن ذكر الله وأنت بعد على قيد الحياة.
وبادر باغتنام هذه العشر لمزيد ذكر الله والأنس به (( أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) ) (الرعد: 28) .
ومن رحمة الله أن فضل الذكر عظيم وهو لا يكلف المرء عناء، وبإمكان المرء أن الله قائما أو قاعدا أو على جنبه. فلا يستحوذن عليكم الشيطان .
عباد الله حذار أن يخسيكم الشيطان ذكر الله والباري يقول في محكم التنزيل: (( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ) (المجادلة: 19) .
ومن الأمور المعينة على ذكر الله الاعتكاف في المساجد، وهي سنة أغفلها كثير من الناس، ومنها انقطاع عن الخلق واتصال بالخالق تعين المرء على ذكره والإنس به وحده، وفيها تفريغ للقلب من المشاغل التي طالما فرقته في أودية الدنيا وهمومها، ويخطأ بعض الناس فيظن أن الاعتكاف لازم للعشر كلها، وليس الأمر كذلك فبإمكان الإنسان أن يعتكف نصفها، أو بعضاً منها، أو يوما أو ساعة منها، فهل تحيى هذه السنة النبوية في مساجدنا وتشجع كبارنا وصغارنا على المسارعة في الخيرات واغتنام الأوقات؟
وليس يخفي أن الإكثار من تلاوة القرآن، والسنن النوافل والصدقات، وصلة الأرحام، والعمرة، ونحوها من القربات، تحسن في كل حال، ولهما ميزتها في مثل هذه الأيام، ولاتنسوا أنكم مقبلون على إجازة، الكيس منكم من استثمرها في الطاعة، والمسكين من فرط فيها بكثرة النوم وضياع الأوقات.
أيها المسلمون وثمة عبادة يحسن التذكير بها في كل حال، وهذه الليالي والأيام بالذات ميدان للاجتهاد فيها ألا وهي الدعاء.
إخوة الإيمان والدعاء هو سهام الليل يطلقها القانتون، وهي حبل ممدود بين السماء والأرض يقدره حق قدره عباد الله المخلصون هو الربح ظاهرا بلا ثمن، وهو المغنم في الدنيا والآخرة بلا عناء، هوا لتجارة الرابحة يملكها الفقراء كما يملكها الأغنياء على حد سواء، يتفاوت الناس في هذه العبادة بين مقل ومستكثر،بين حاضر القلب،وشارد الذهن، بين خاشع متأمل لما يقول وبين قاس القلب لا يتأثر ولايلين وهو طريق للفلاح في الآخرة،وهو سبب من أسباب السعادة في الدنيا بإذن الله ذلكم هو الدعاء، بل هو العبادة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (( الدعاء هو العبادة ) ) [1] .
قال الله تعالى: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ) (غافر:60) .
فالآية في بدئها تسمية الدعاء، وفي نهايتها أطلق عليه العبادة، مما يؤكد لك أهمية الدعاء، وكونه هو العبادة.
وإذا كان الله يصف الراغبين عن الدعاء بالاستكبار كما في الآية السابقة، فاعلم أخي المسلم- إن ليس شيء أكرم على الله من الدعاء، كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه بسند حسن [2]
يا أخا الإسلام أترغب أن توصف بالعجز والكسل، وهل علمت أن المقصر في الدعاء من أعجز الناس بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أعجز الناس من عجز عن الدعاء وأبخل الناس من بخل بالسلام ) ) [3] .
لقد أمر الله المسلمين بالدعاء ووعدهم بالاستجابة، وهل بعد ذلك من كرم، فال أكرم الأكرمين: (( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ).
لكنها الاستجابة المشروطة بالاستجابة لله والإيمان به، وهذا وذاك طريق الرشد وسبيل الخير (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) ) ( البقرة: 186 ) .
وهل علمت أخا الإسلام أن الدعاء وتعليمه يأتي في مرتبة تالية للصلاة للداخلين في الإسلام فقد كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ثم أمره أن يدعو بهؤلاء الكلمات (( اللهم اغفر لي وارحمني، واهدني وعافني وارزقني ) )وكان عليه الصلاة والسلام يقول في فضل هذه الدعوات: إنها تجمع الدنيا والآخرة [4] .
وهل علمت أن صاحب الدعاء كاسب على كل حال إذا لم يدع بأثم أو قطيعة رحم، وتأمل جيدا هذا الحديث النبوي الشريف الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما على الأرض مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا أتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم، فقال رجل من القوم: إذا نكثر(يعني من الدعاء) قال ( صلى الله عليه وسلم) : الله أكثر )) [5] .
وحاصل ذلك أن الداعي لا يعدم أحد ثلاثة أمور، إما أن يستجاب دعوته عاجلا، أو تدخر له في القيامة، أو يدفع عنه من السوء مثلها.
وهذا أو ذاك لاشك فضل عظيم ومنة من الله يمتن بها على عباده الداعين .
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .واستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله يعطي ويمنع , ويخفض ويرفع, ويضر وينفع, ألا إلى الله تصيرُ الأمور. وأصلي وأسلم على الرحمةِ المهداة, والنعمة المسداة, وعلى آله وأصحابه والتابعين,
أما بعدُ:
فإذا عرفت فضل الدعاء وأهميته فينبغي أن تعرف أن للدعاء آدابا وسنن، تخفي على كثير من الناس، ومعرفتها والعمل بها سبب في استجابة الدعاء بإذن الله. فمن آداب الدعاء أن يبتدأ الداعي دعوته بحمد الله والثناء عليه والاعتراف بتقصير العبد وحاجته إلى الله، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال صلى الله عليه وسلم: (( لقد سألت الله تعالى بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب ) ).
وفي رواية: (( لقد سألت الله باسمه الأعظم ) ) [6] .
بما هو أهله وتأمل في دعاء ذي النون إذ دعا ربه وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب له ( [7] ) .
وإذا كان هذا الثناء على الله في بدء الدعاء، فمن آداب الدعاء وسننه كذلك
أن نختمه بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في الحديث لا يزال الدعاء معلقا بين السماء والأرض حتى يصلي الداعي على الرسول، فإذا صلى رفع الدعاء. وفي صحيح الجامع (( كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ) ).
فهل تعمل بهذا الأدب في الدعاء في البدء والنهاية إن ذلك أرجى للقبول وأدعى لفتح أبواب السماء.
ومن سنن الدعاء أن يختار الداعي الأوقات الفاضلة، والأزمنة الشريفة، كيوم عرفة، وشهر رمضان، وبوم الجمعة، والثلث ا لأخير من الليل، ووقت الأسحار، وبين ا لأذان والإقامة، ودبر الصلوات.
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الدعاء أسمع؟ قال: (( جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبة ) ) [8] .