فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
حتى جاء الموقف العظيم ووقف المشركون على فم الغار ، وإذا بأبي بكر شفقة ورحمة يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم موضع قدمه لرآنا ! فينطق اليقين والثبات والإيمان على لسان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: ( ما ظنك باثنين الله ثالثهما ) .
وتتنزل الآيات تصف هذه المواقف العظيمة: {إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [ التوبة: من الآية40 ] .
من يحزن والله معه ؟! من يضعف والله يعينه ؟! من يذل والله يعزّه ؟! من يخاف والله يؤمنه ؟!
ذلك درس التضحية العظمى في هذه الهجرة تضحية لأمر الدين تقول لنا إن الأولوية في حياة المسلمين لأجل الدين.
كان محمد - صلى الله عليه وسلم - في مكة سيد سادتها ، وشريف أشرافها ، وذو الذروة العليا في أنسابها وقد جاءته قريش قالوا لو تريد مالاً لجمعنا لك مالاً حتى تكون أكثرنا مالاً عرضوا عليه دنياهم كلها فركنها برجله وداس عليها بإيمانه ويقينه واستعمى عليها بسمو إسلامه ويقينه عليه الصلاة والسلام.
لم تكن حياة المسلمين رغبة في الدنيا ، ولا سكون إليها ، ولا طلب إلى السلامة .. ولو كان ذلك كذلك لعاشوا مسالمين موادعين وحسبهم في ذلك أن ينكفئوا في دارهم أو أن يؤدوا شعائرهم لكنه الإيمان والإسلام أولى الأولويات في حياة المسلمين.
ليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناي ، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى أرض مخصبة ، لكن الهجرة أمرٌ آخر .. إنها إكراه رجل آمنٌ في سربه ممتد الجذور في مكانه على إهدار مصالحه وتضحية أمواله والنجاة بشخصه وحسبه ، وإشعارٌ بأنه مُستباحٌ منهوبٌ قد يهلك في أول الطريق أو نهايتها ! لكنه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش .
من دروس الهجرة درسان عظيمان نذكرهما ذكراً ولا نقف عندهما طويلاً ؛ لأننا نُريد من بعد أن نُذّكر بهذه الدروس كلها في محور واحد نربطه بواقعنا المؤلم المُحزن المؤسف في كثير من أحواله ، من هذه الدروس وجوب الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام .
وخلاصة هذا الدرس:
أن الدين وإقامة شعائره وإظهارها ورفع رايته هو الغاية العظمى والأولوية الكبرى التي عليها تدور حياة المسلمين ، ولأجلها يتركون الأرض والديار .. لأجلها يقطعون الصلات والعلاقات .. لأجلها يبذلون الأموال والنفقات لأجلها يجودون بالأرواح في الساحات .. ذلك هو الدرس العظيم والفقه المستنبط من الهجرة .
وأما الدرس الثاني وهو: وجوب نصرة المسلمين لبعضهم
مهما اختلفت ديارهم وبلادهم ما دام ذلك ممكناً .
قال الإمام أبو بكر بن العربي رحمه الله:"إذا كان في المسلمين أُسراء أو مستضعفون ؛ فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة بالبدن ، بألا تبقى فينا عينٌ تطرف حتى تخرج إلى استنقاذهم إذا كان عددنا يحتمل ذلك أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحدٍ درهمٌ من ذلك".
ذلك ليس فقه استنباط ودليل ، لكنه - قبل ذلك - فقه إيمان ويقين ، فقه استعلاء ومعرفة للحقائق الإيمانية .
وعندما مضى النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هل وضع رحاله ليرتاح ؟هل ترك أذى مكة لينعم برغد العيش في المدينة ؟ هل خرج من بين الأعداء ليهنأ بالحياة بين الأصحاب ؟ أي شيء صنع صلى الله عليه وسلم ؟
منذ أول لحظة وطأت أقدامه الشريفة مدينته المنورة عمد إلى بناء المسجد وربط المسلمين بالله ، وعمد إلى المؤاخاة لربط العلائق بين المسلمين ، وعمل المعاهدة لتنظيم العلاقة مع غير المسلمين .
ومن لقي بالمدينة ؟ اليهود - عليهم لعائن الله - ، ولننظر ونستمع إلى كلام علمائنا وأمّتنا لنعرف فقههم الإيماني والعلمي معاً .
هذا وصفٌ لابن القيّم رحمه الله يصف فيه اليهود عليهم لعائن الله يقول عنهم:"هم الأمة الغضبية ، أهل الكذب والبُهت والغدر والمكر والحِيل ، قتلة الأنبياء ، وأكلة السُحت - وهو الربا والرشا - أخبث الأمم طوية ، وأرداهم سجية ، وأبعدهم من الرحمة ، وأقربهم من النقمة ، عادتهم البغضاء ، وديدنهم العداء والشحناء ، بيت الكذب والسحر والحِيَل ، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة ، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ، ولا لمن وافقهم عندهم حقٌ ولا شفقة ، ولا لمن شاركهم عندهم عدلٌ ولا نصفة ، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة ، ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة ، بل أخبثهم أعقلهم وأحذقهم أغشّهم أضيق الخلق صدوراً ، وأظلمهم بيوتاً ، وأنتنهم أفنية ، وأوحشهم سجية".
أليست هذه الصفات اليوم هي عين التعصب والعنصرية ؟ أليس هذا هو جوهر العنف والإرهاب ؟ فماذا يقول اليهود ؟ ليس في أقوال علمائهم ، بل في المسطور في كتبهم بما حرّفوه !