فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ألا يقولون:"إن أمم الأرض كلها كلابٌ يجوز قتلها لليهود ، وأموالهم حلالٌ يجوز سبيها لهم ، ونسائهم حلالٌ يجوز استمتاعهم بها"، ولا يجرؤ أحدٌ أن يقول ذلك ، ويتكلمون على مناهج تقول شيئاً من الحق التي تؤكده الوقائع المعاصرة ، والحقائق التاريخية الظاهرة ، والانحرافات العقدية المكتوبة المُثبتة فأي شيء جرى لأمة الإسلام عند المواقف الأولى ونحن لا نسرد السيرة .
انتصر النبي في بدر فغلى الحقد في قلوبهم ، وجاشت البغضاء في نفوسهم ، وظهرت أساليب الغدر والكذب والكيد والمكر على ألسنتهم ، ثم تفاعل ذلك كله فظهر في تصرفاتهم امرأة عربية دخلت إلى سوق بني قينقاع تبيع شيئاً لها جلست إلى صائغٍ ، فجاء بعض سفلة اليهود يريدونها أن تكشف وجهها فأبت بإيمانها ، فعمدوا إلى طرف ثوبها فعقدوه بأعلاه ، فلما قامت انكشفت عورتها ، فجعلوا يتضاحكون ويستهزئون ويسخرون .. موقفٌ واحدٌ في أمرٍ عارضٍ لامرأة واحدة ، أي شيء جرى ؟ صاحت مستنجدة أهل الإيمان والنخوة والإسلام ، فانتدب لها مسلمٌ من غير عقد مؤتمر ولا مشاورات سياسية ، ولا بحوث وبحث في القوانين الدولية ، بل امتضى لها ينتصر لها وعمد إلى الصائغ فقتله ، فاجتمع عليه اليهود فقتلوه ، فأحاط بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحاصرهم وأجلاهم من بعد ، وأخذ من أموالهم ما أخذ ، وخرجوا أذلة صاغرين يوم كان كذلك المؤمنون عزوا ، وارتفعت رايتهم ، وعظمت هيبتهم ، وقويت شوكتهم ، وكانت لهم في دنيا الناس كلمتهم .
أفليست هذه دروس مهمة ؟ أفليست هذه صورٌ حية ؟ أفليست هذه صفحات ينبغي أن ننقشها على قلوبنا ، وأن نجريها مع الدماء في عروقنا ؟ وإلا بقينا أذلة صاغرين ! وإلا بقينا تافهين مغيبين ! وإلا بقينا تحت ذل وقهر الغلبة والظلم الذي يُسلط على المسلمين ..
نسأل الله عز وجل أن يرفع الغمة ، وأن يكشف البلاء عن الأمة ، وأن يُعيدها إلى العزة ، وأن يُخلف عليها في دينها استمساكاً بكتاب الله واعتصاماً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
الهجرة تأكيد للزوم الثبات على الدين ، وإعلانٌ لإظهار أولوية الدين في حياة المسلمين ، وبيانٌ أن التضحية تكون بكل شيء لأجل إعلاء الدين .
إذا فقهنا ذلك ونحن ننظر إلى واقعنا اليوم وماذا نرى فيه ؟ .
عجزٌ عربي ، ووهنٌ إسلامي ، وخزي سياسي ، وصورة مشوهة حقائق الإسلام فيها غائبة ن ومرتكزات العقيدة واهية .. ولذلك نرى ما نرى من هذه العجائب ، ونرى الغرائب ونحن نعرف ونسمع أن هذه القوات الباغية الغازية الظالمة العادية قد أعلنت بما ذكرته بألسنتها أنها"حرب صليبية"، وأيّدت وأكدّت أنها تريد أن يكون لها الهيمنة العسكرية السياسية وأظهرت وكشفت أنها تريد أن تستولي على الموارد الاقتصادية ، وبيّنت وكشفت أنها تريد أن تهيمن على ما وراء ذلك من الأوضاع الاجتماعية ، والمناهج التعليمية ، والنُظم السياسية ، والأوضاع كلها ، وبعد ذلك نقول ما نقول ، ونسمع ما نسمع من هذه العجائب التي لاشك أن فيها معارضة يقينية ظاهرة واضحة لثوابت لا تتغير من الإيمان والإسلام ، ولحقائق لا تُنسخ من آيات القرآن ، ولمعالم واضحة جلية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة .
ولذلك - أيها الأخوة الأحبة - نكرر ما أسلفنا القول فيه: الكفر كفر ، وأهله أهل بغي وعدوان ، جمعوا ذلك مع هذا ، فليس لهم في قلب مؤمن محبة ولا موالاة ، وليس لهم في عمل مسلم نصرة ولا محاباة ، وإلا أنكر ذلك الإيمان في قلبه ، أو نقض الإسلام في حقيقته ، وأن هذا نطقت به الآيات ، وظهرت به حقائق الإسلام جلية واضحة .
ثم من بعد ذلك نرى ما نرى من دروس الهجرة في هذا التلاحم الإيماني والتواصل الإسلامي ، والأخوة التي نصّت عليها آيات القرآن ن ونرى كذلك من وراء ذلك أن يكون الدين هو رائدنا وغايتنا الأولى ، من كان مستمسكاً به ، ورافعاً له ، حقاً لا كذباً ، وصدقاً لا ادّعاءاً ، وواقعاً لا زوراً ، فنكون نحن أهل دين ، ونكون أهل نصر مع أهل اليقين بإذن الله عز وجل .
ولذلك ينبغي لنا أن نكون على بصيرة من أمرنا ، وعلى بيّنة من حقائق ديننا ، وأن نكرر ونزيد التكرار والإعادة ، وضرورة الاستمساك والاعتصام بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنظر في أقوال الأئمة من العلماء الصادقين الذين كانوا أهل إيمان ويقين قبل أن يكونوا أهل فقه في الدين .
ولذلك من بعد هذا نتواصى بالثبات على ذلك ، ونتناصر ونتعاهد على البقاء عليه ، وعلى إشاعته فيما بيننا ، وقد ذكرنا - من قبل - اللجوء إلى الله والاعتصام به ، والتضرع إليه ، والابتهال والذل بين يديه .