فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فإلى الذين يجعلون هذا الشهر شهر الصوم شهر الرخاوة والكسل نقول: قد جاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه في رمضان فكان فيه يوم الفرقان ، ثم كان فيه يوم الفتح الأعظم ، ثم تتابع طريق أمة الإسلام يشهد بأن شهر رمضان هو شهر القوة والعزة .. هو شهر النصر والتمكين .. هو شهر القوة والجهاد .. هو شهر النشاط والفتوة .
"فلا تُمِت علينا ديننا"قالها عمر - رضي الله عنه - حينما رأى بعض الشباب وهو يمشي مشية متماوتة يسحب رجله وهو مطأطئ رأسه ، فكان عمر يعلوه بدرته على أم رأسه ويقول:"لا تمت علينا ديننا"، فليس في الإسلام تماوت ولا ضعف ، بل قوة وعزة ، وليس فيه طأطأة ولا مسكنة بل فيه إخبات وتواضع مع قوة إيمان وعزة بهذا الإسلام .
فإلى أولئك أيضاً إليهم شكوى رمضان ومقارنته بينهم وبين المجاهدين الذين عمروا هذا الشهر فكانوا رهبان الليل فرسان النهار .
رابعاً: الصور المعكوسة والظواهر المنكوسة
كذلك تتوالى شكوى رمضان من صور كثيرة في مجتمعاتنا يعجب لها المرء أيما عجب ويحار فيها العقل أيما حيرة ؛ لأن هذا الشهر جعل ليختص بمزيد من الخير والطاعات ، وإذا بالحال ينقلب رأساً على عقب ، ونرى كثيراً من الناس يخصونه بغير ما أراد الله له وبغير ما شرعه فيه وبغير ما ندب إليه، ولذلك من هذه الصور المعكوسة والظواهر المنكوسة ما يشكو منه رمضان .
أولاً: إكثار الطعام والشراب
فكثير من الناس ما علموا أن الصوم دورة في فطم النفس عن شهواتها وتعودها أن تترفع عن ملذاتها وتقوية إرادتها إزاء شهواتها، وأن الصوم لم يشرع ليكون ختامه أكل حتى التخمة وشراب حتى البطنة دون أن يفقه ما ينبغي أن يشارك فيه الفقراء والمساكين والمحرومين الذين لا يجدون قوت يومهم والذين يبيتون على الطوى ، بل لا يتذكر المصطفى - عليه الصلاة والسلام - وقد وصفته عائشة - رضي الله عنها - ووصفت حاله فكانت تقول: كان يمر الهلالان والثلاثة وما يوقد في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نار شهران أو ثلاثة ولا يطبخ فيه طعام ولا دسم . قيل لها فما كان ؟ قالت: الأسودان التمر والماء .
وصح عند البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أنه كان صائماً في يوم من الأيام تطوعاً فأوتي له بطعام الإفطار فنظر إليه فإذا فيه أكثر من صنفين من الطعام فطأطأ رأسه - رضي الله عنه - باكياً وانخرط في بكاء طويل، قالوا له: ما يبكيك ؟ قال: ذكرت مصعب بن عمير - رضي الله عنه -: مات يوم مات في أحد ما وجدنا ما نكفنه به إلا بردة إذا غطينا رجلاه بدا رأسه وإذا غطينا رأسه بدت قدماه وإني أخشى أن نكون ممن عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا .
فما بالنا ونحن نجمع على موائدنا ليس صنفين ولا ثلاثة بل ربما خمسة وعشرة ونأكل حتى لا يبقى في بطوننا موضع لطعام والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه فإن كان لا بد فاعل فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ) .
فتفطنوا أن الصيام ليس غاية وسبباً نجوِّع فيه أنفسنا ، فلسنا مثل أجلكم الله الحيوانات التي تجوع فتطلع فلا يكون لها هم إلا أن تلتهم الطعام إلتهاماًً .
وأعجب العجب الذي أراه وترونه أن كثيرين يقضون ما بين العصر إلى المغرب هذا الوقت المبارك وقت نزول الملائكة ووقت الغروب والذكر ووقت التسبيح بالآصال يقضونه وهم طوابير طويلة لأوقات عديدة ، ولساعات متتابعة ؛ ليشتروا أصنافاً من الطعام هم عنها في غنى ولا حرج ولا ضير ولا حاجة أن تكون موائدهم ، ولكن بعض الناس جعلوا هذا الشهر شهراً وضعوا له فرائض من عند أنفسهم وأنه لا بد أن يكون في طعام الإفطار كذا وكذا وأنه لا يتم الإفطار إلا بوجود كذا وكذا، فشغلوا أوقاتهم وشغلوا أفكارهم وكأنه هذا الشهر موسم أنواع الأطعمة يتفرغ الناس لها وتستعد المطاعم بها ، ويضيع الناس أوقاتهم فيها فانصرفوا عن العبادة والطاعة إلا من رحم الله ، فما أعظم شكوى رمضان منا وقد قلبنا آياته وقد عكسنا حسناته !
وهو شهر ينبغي أن يقل فيه الشراب والطعام ، وأن يتعود فيه الإنسان على الجوع والعطش وعلى الترفع عن الدنيا ، وعلى الصبر على ما يحل به ، فالله نسأل أن يفقهنا في هذا الدين وأن يبصرنا بالحكم والغايات فيما شرع لنا من فرائض الدين .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
وإن من أعظم مواسم التقوى شهر رمضان المبارك ، الذي جعله الله - عز وجل - معيناً لا ينضب لكثير من الخيرات، ولكن شكواه مُرَّة كما أشرت من هذا الانعكاس والارتكاس .
ثانياً: غشيان الأسواق وكثرة نزول النساء إليه