فهرس الكتاب

الصفحة 5346 من 9994

ومن ذلك ما يغشى فيه الناس الأسواق وما يكثر فيه نزول النساء إليها، وكأنه ليس هناك وقت وليس هناك مجال لقضاء الحاجات إلا في الليالي المباركات، وتزداد هذه الظاهرة والعياذ بالله عندما تدخل العشر الأواخر ، وعندما يشتد أهل الإيمان في الطاعات والعبادة ، ويقطعون ليله تسبيحاً وذكراً قياماً وركوعاً وسجوداً ، ويقطعون أوقاتهم تضرعاً وابتهالاً لله - عز وجل - وبكاء وخشية من الله - عز وجل - وسؤالاً لنيل أعظم الثواب وأعظم البركات في ليلة القدر .

وفي هذه الليالي تشتغل الأسواق كما لم تشتغل في غيرها من الليالي ، ويكثر نزول النساء وتكثر المنكرات والمحرمات والمعاكسات والتبرج وغير ذلك ، ويختص شهر رمضان في مجتمعاتنا على وجه الخصوص في رمضان كذلك بأن الليل يشغل في اكثر أحيانه وفي أواخر الشهر على وجه الخصوص بغير ما أراد الله عز وجل، ولذلك نجد هذه الظاهرة التي يدمي لها القلب وعندما يكون الإنسان ـ وقد رأيت ذلك بأم عيني ـ في رمضان في العشر الأواخر في بيت الله الحرام ، ويرى احتشاد المصلين ؛ حتى لا يبقى مكان في البيت الحرام فإذا خرج ليقضي حاجة أو ليتوضأ أو كذا رأى أضعاف أضعاف ذلك العدد ، وهم يرتادون الأسواق ويتكلمون بفارغ الكلام ويفعلون كثيراً من الأفعال المحرمة المنكرة في كثير من الأحوال إلا من رحم الله ، ولذلك هذه الظاهرة كأنها نوع مخالفة عما ينبغي أن يكون في شهر رمضان، ونوع قلب لما أراده الله - عز وجل - لا سيما في العشر الأواخر من أن يكون هناك مزيد التفرغ للطاعة والاغتنام للخير .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما صح عند مسلم: ( أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ) ، أي إذا فيها كما هو الغالب ما حرم الله عز وجل، وقد ورد أيضاً عند الطبراني وغيره بإسناد حسن: ( خير البقاع المساجد وشر البقاع الأسواق ) .

ومن هن أولئك النساء ومن هم أولئك الرجال الذين يحيون هذه الظاهرة ؟ إنهم أنا وأنت وزوجي وزوجك وابنتي وابنتك وأختي وأختك وقريبتي وقريبتك، فليكن كل امرئ مسؤول عن نفسه وليكن قائماً بحق من استولاه الله أمره ؛ فإنه عليه الصلاة والسلام قال: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) ، فلماذا يؤجل الناس حوائجهم إلى شهر رمضان ولماذا يؤخرونها إلى العشر الأواخر ، بل ليلة العيد يقضونها حتى صباحها وحتى شروق شمسها دون أن يذكروا الله - عز وجل - بل هم في لهو وصفق في الأسواق نسأل الله السلامة .

لماذا - أيها الأخوة - نقدر ونقر ونغض الطرف عن هذه الظواهر المعكوسة ، وهذه الأعمال المرفوضة التي كأنها أصبحت سنة من سنن رمضان، كأنه كما نرى ونشاهد لا بد أن يزداد في أوقات العمل في ليالي العشر الأواخر، وكلما زادت العشر الأواخر قرباً من آخر الشهر كلما زاد العمل حتى إذا كانت الليالي الأخيرة واصلوا الليل بالنهار عجباً لأمة يساق لها الخير في مواطن العبادة وفي المساجد وفي بيوت الله ويضاعف لها الأجر وتوعد بليلة القدر ثم تعرض عن ذلك كله وتذهب لتشتري ثياباً مبهرجة ولتشتري طعاماً تملأ به البطون أو لتشتري ألعاباً تلهي بها الأطفال .

عجباً للعقول كيف سخفت ؟ عجباً للبصائر كيف طمست ؟ عجباً للمسلم كيف لا يفطن لما فيه خيره فلا يحرص لما فيه أجره ؟ كيف لا ويبقى ما ينبغي أن يتقي من عذاب ا لله وسخطه ؟ نسأل الله السلامة .

هذه الظاهرة لو أننا جميعاً أصحاب المتاجر والأعمال وحتى على مستوى المسؤولين الرسميين في الحكومة أن يمنعوا هذه الظاهرة بأن تغلق الأسواق في أوقات معينة، فيعلم الناس أنهم إذا أرادوا حاجتهم ؛ فإن هذا الوقت هو المتاح وبعد ذلك ليس هناك أسواق إذاً لا نقمع الناس في بيوتهم وتفرغوا لعبادتهم ، وعلى أقل تقدير لم يعلنوا بالمعاصي في شهر الخير والبركة وفي العشر الأواخر وفي ليلة القدر والناس ساجدون .

هناك من يغازل ويعاكس والناس يدعون ، وهناك من يغني ويدندن والناس يسبحون وهناك من يشتم ويلعن، كيف تتنزل علينا الرحمات وكيف ننال الخيرات، ونحن نعلم في مجتمعاتنا بشكل عام بهذه المنكرات ولا نرى لها مُنكِراً ولا نرى لها معارضاً ونتقبلها حتى ألفناها وحتى تعودنا عليها وحتى أصبحنا لا نرى رمضان بدونها ولا نعرفه بغيرها، ينبغي أن يكون كل مسلم قائماً بهذا الأمر سيما ونحن في أول الشهر نحن في بدايته فليكن كل مسلم قائماً بأمر من ولاه الله عليهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت