فهرس الكتاب

الصفحة 6822 من 9994

وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ( بادر بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً ، ويبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ) رواه مسلم في صحيحه .

والله لكأنا نرى ذلك رأي العين ، ونرى من اسمه اسم المسلمين ، وسمته سمتهم ، ثم نرى حاله ومقاله ، وفعله لا يختلف عن فعل الكافرين ، بل ربما كان أشد ، ولأجل أي شيء يفعل ذلك ؟ لا ترى سبباً ، ولا تستطيع أن تبحث عن علة إلا أمراً يتعلّق بدنياه ، حفاظاً على روحه ، ورعايةً لمصالحه ، أو حفظاً لمطامعه ، أو خوفاً على شيء من عرض هذه الدنيا .

قال الحسن البصري في تعليقه وبيانه في هذا الحديث ، وهو من أفصح البيان وأوضحه:

( يصبح الرجل مُحرمّاً لدم أخيه وعرضه وماله ، ويُمسي مستحلاً له ، ويمسي مستحلاً له ، ويصبح محرماً له ) .

أهواء تعبث ، ومصالح تحكم ، ودين يضوي ، وإيمان يرق ، ويقين يضعف ، نسأل الله - عز وجل - السلامة .

ثم يقول الحسن - رحمه الله - عندما ذكر قوله يبيع دنياه بعرض من الدنيا قليل ، قال:"فو الله لقد رأيناهم صوراً ولا عقولاً ، وأجساماً ولا أحلاماً .. فراش نارٍ وذباب طمعٍ ، يغدو يبيع دينه بدرهمين .. يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين .. يبيع أحدهم دينه بثمن العنز ، والله لقد رأيناهم".

من القائل ؟ الحسن البصري ! في أي زمن ؟ في زمن التابعين ووجود بعض الصحابة الغُر الميامين !"والله لقد رأيناهم صوراً ولا عقولاً ، وأجساماً ولا أحلاماً"ثم بيّن حالهم . أفلسنا نرى من ذلك ما هو أظهر ، وما هو أشهر ، وما هو أكثر ، وما هو أخطر ؟ بلى والله ، ومن لم يرى ذلك فربما لم تكن حينئذٍ له عينٌ بصيرة . نسأل الله عز وجل السلامة .

واستمع إلى هذه الومضات الإيمانية القرآنية التي تبيّن الافتراق بين المؤمنين الصادقين ، وبين المنافقين الزائغين ، وبين الكافرين المعتدين الظالمين .. التي تُبيّن كيف تُمحّص الفتن الناس ، وكيف تُظهر مكنونات ما في قلوبهم ، وتخرج دخائل نفوسهم ، وتُظهر خواطر عقولهم ، وتكشف ذلك في فلتات ألسنتهم ، في كثير من أحوالهم وأفعالهم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ } .

بمجرد الابتلاء اليسير والمحنة العارضة نجد من ينسلخ من دينه ، ويتجرّد من إيمانه ويمسخ ، حتى من فطرته وخُلقه وأي شيء لأجل عذاب دنيوي ، أو لأجل رهبة بشرية ، وينسى عذاب الآخرة ، وينسى قوة الله - عز وجل - رب الأرباب ، وملك الملوك ، وجبّار السماوات والأرض ، وينسى أن أمر الله - جلّ وعلا - بين الكاف والنون ، وأن كل قوى الأرض لا يمكن أن يكون لها أثر ، ولا ذكرٌ ، ولا خبر إذا أراد الله - سبحانه وتعالى - إثناءها ، وإذا أراد الله عز وجل ردها في نحور أربابها ، وإذا أراد الله عز وجل أن تكون شِقوة لمن يأخذون بها ، ويؤذون بها ، ويعتدون بها .. { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة } .

أليس هذا حال نراه ؟ أليست هذه صورة ينبغي أن تمتلئ قلوبنا رهبة وخوفاً من أن نكون من أربابها ، أو نكون من أصحابها ، إنها الفِتن التي تُقلِّب القلوب ، وتعبث بالآراء ؛ فإنما يكون لنا بذلك عصمة بالله ، وإن لم يكون أمرنا كذلك سنضيع مع الضائعين ، ونزيغ مع الزائغين ، ونهلك مع الهالكين . نسأل الله - عز وجل - أن يعصمنا ، ونسأله - سبحانه وتعالى - أن يُنجينا ، وأن يجعلنا أوثق بما عنده مما في أيدينا .

إننا إذا تأملنا وجدنا حالاً تُصوّره الآيات يشبه حالنا اليوم وقد تكالب الأعداء ، وقد اختلفت آراء الأولياء والأحباء ، بل تضاربت مصالحهم ، بل وقد تهيأت أسباب ظهور صراعهم وعداءهم جلية واضحة ، أي شيء في كتاب الله يُصوّر لنا ذلك ؟:

{ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } .

سبحان الله ! كأن الآيات تنطق بألسنة كثير ممن يقع منهم ذلك في هذا اليوم ، فالله - سبحانه وتعالى - كما قال: { فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت