فهرس الكتاب

الصفحة 6823 من 9994

قاعدة مطّردة .. نفيٌ مؤبد .. كلام رب العالمين لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين ، أين هم إن وُجدوا فلن يكون للكافرين عليهم سبيلاً .. قد تكون جولة ولكن الدولة تعود إلى أهل الحق إلى قيام الساعة ، ولكن كثيراً من الناس لا يوقنون ، وعند الشدة لا يثبتون ، وذلك هو أثر الفتنة التي يقضيها الله عز وجل ؛ فإن ثبت الثابت واعتصم بالله - عز وجل - يوشك عمّا قريب أن تنكشف الغمة ، وأن تُفرج هذه المُلمّة ، وأن يكون للناس من وراءها خيراً عظيماً ، وفرجاً كبيراً ، ونصراً عظيماً ، ولكن كثير من الناس لا يوقنون ، ولكن كثيراً من الناس لا يصبرون ولا يثبتون ، نسأل الله - عز وجل - أن لا يجعلنا من أولئك .

وعندما نتلو هذه الآيات نجد ما بعدها مباشرة: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ } .

ثم تُبيّن مواقف المنافقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء .. أي شيء أوضح من بيان أن هذه المواقف هي مواقف النفاق الذي لا يصدق معه الإيمان ؟ إنما يكون ظاهراً لا باطناً .. إنما يكون صورة لا حقيقة .. إنما يكون مداهنة لأغراضٍ وليس صدقاً لحقيقة ، كما هو الأصل في هذا الإيمان .

ولسنا نريد أن نفيض الحديث عن الفتنة ؛ فإنها مما يراه الناس ويعرفونه ، ولكننا نريد أن نقف مع معالم العصمة من هذه الفتنة ، والنجاة من هذا الهلاك ، والخروج من هذا المأزق ، سيما وأن الأحداث تتوالى ، وأن البلايا تتعاظم . والله - عز وجل - قد منّ علينا بكثير مما نحتاج إليه ، ونحتاج إلى التبصر به ؛ حتى نسلم بعون الله عز وجل .

وهذه بعض المعالم:

أولها: الاعتصام بكتاب الله ، وسنة رسول صلى الله عليه وسلم

{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا } . ونعلم أن هذه جملة مجملة ، لكنه قد سبق لنا في جُمعٌ سابقة تفصيل طويلاً في حقيقة هذا الاعتصام ، وحقيقة فهمنا بكتاب ربنا ، ويقيناً بما جاء فيه ، فلعلنا أن نستحضر ذلك ، وأن نتذكره .

هذا الطبري - رحمه الله - في تفسير هذه الآية يقول:"يريد بذلك - تعالى ذكره - أن تتمسكوا بدين الله الذي أمركم به ، وعهده الذي عهد إليكم في كتابه إليكم ، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله".

قال ابن كثير:"وقد ضُمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ".

يُعصمون من الخطأ إذا ائتلفوا واتفقوا ، ويُنجون من الآراء الزائغة ، والمواقف الحائرة ، والمواقف الخاطئة كذلك ، وقد بيّن الله - سبحانه وتعالى - ذلك في آياتٍ كثيرة: { وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .

عندما تأتي الفِتن وتشتد المحن ، تجد الناس يلجئون ويفزعون إلى ما يظنونه مستمسكاً ومستعصماً وملجأً وملاذاً ، فبعضٌ يرجع إلى قوة من قوى أهل الدنيا ، وإن كانت قوى كافرة باغية ظالمة يلتمسوا الأمن في ظلالها ، والحماية في جوارها ، والنصرة في طريقها أو في مسيرها ، وذلك من أعظم الزيغ ، وأشد الفتن ،وعظمة الارتداد عن دين الله سبحانه وتعالى . نسأل الله - عز وجل - السلامة .

والله - جلّ وعلا - يُبيّن أن لا عصمة إلا لمن اعتصم به: { إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ } .

وغير أولئك لا ينجون ، وغير أولئك لا يُصيبون ، وغير أولئك لا يكون لهم ما يقع به أمنهم من الخوف ، ولا نجاتهم من الهلكة ، ولذلك لابد أن نتأمل في هذه الآيات ، وكثير غيرها ، وكثير كذلك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم .. قال تعالى: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً } .

لاشك أن المسائل مختلطة ، وأن الأمور محيّرة ، فكيف ينكشف الطريق ؟ وكيف يُعرف المسار ؟ وكيف تنجلي الغمة ؟ وكيف تُكشف الظُلمة ؟ إنه لا كاشف إلا بنور الوحي ، ولا بصيرة إلا ببصيرة الإيمان ، ولا معرفة إلا بمعرفة اليقين ، فكلما اعتصمنا بكتاب ربنا اعتصاماً حقيقياً عن وعي وإدراك ، وعن إيمانٍ ويقين ، وعن ثباتٍ وصبر ؛ فإن ذلك هو العون الأساسي .

المعلم الثاني: تقوى الله

ونعني به ذلك التعلّق الذي يزداد عند الفِتن والمحن ، والذي يعظُم عند الشدائد والكرب والبلاء .

مع أن كثيراً من أحوال الناس إذا ازدادت الشدة ذهلت عقولهم ، وفزعت قلوبهم ، فانصرفوا عن حياض التقوى ، وخرجوا من دائرة العبادة ،ولم يكن ذلك دافعاً لهم لمزيد من التعلّق ، وكثيرٍ من الارتباط بالعبادة والطاعة ؛ لأن الناس في وقت الفِتن يُذهلون ، وينشغلون بأمور أنفسهم ، وينصرفون كثير عن أمور تعلقهم بطاعة ربهم وعبادته - سبحانه وتعالى - أليس قد قال الحق جلّ وعلا: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت