فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
كُن مع تقوى الله سوف تجد بإذن الله - عز وجل - كل عسيرٍ يسيراً ، وكل صعب سهلاً ، وكل مغلق مفتوح ، وذلك وعد الله القاطع الذي لا يتخلف بإذن الله عز وجل .
وتأمل كيف يبيّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثر العبادة في وقت الفتنة على وجه الخصوص ، وفي ذلك أحاديث كثيرة ، عندما تتأملها تدرك أنه كل ما زادت الفتنة ينبغي أن تزيد العبادة والطاعة ، هذا حديث معقل بن يسار - رضي الله عنه - يقول فيه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما روى مسلم: ( العبادة في الهرج كهجرة إليّ ) .
وفي رواية أخرى عند الطبراني ، وهي صحيحة: ( عبادةٌ في الهرج أو الفتنة كهجرةٍ إليّ ) .
قال الشُرّاح:"لما كانت فتنة الدين كانت النجاة منها في زمنه صلى الله عليه وسلم الهجرة إليه وإلى دار الإسلام ؛ لتثبيت الإيمان وإعلاء راية العبادة لله عز وجل ، فلما كانت الفِتن بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - كان المنجى هو العودة إلى العبادة والطاعة ، والاستكثار منها فهي هجرة من المعاصي إلى الطاعات ، ومن الفِتن إلى الثبات ومن كل سوء إلى كل خير بإذن الله سبحانه وتعالى ، حتى أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: ( أن السجدة في زمن الفتنة تعدل الدنيا وما فيها ) ."
كم نرى من الناس انصرافاً وذهولاً كلما اشتد الخطب ..كلما زاد الشرود والبعد والغفلة عن الطاعة ، والصلة بالله سبحانه وتعالى .
والأمر الثالث: دعاء الله جلّ وعلا
وقد يكون ذلك مندرجاً فيما قبله ، لكن التفصيل مهم ولكن ذكر الآحاد والأفراد مهم أيها الأخوة الأحبة: { وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } .
أفليس وقت المحن هو وقت الدعاء المهم الخالص الذي ينطرح فيه المؤمنون بين يدي الله ؟ أليس رسولنا صلى الله عليه وسلم قد ضرب به المثل في سيرته في كل شدة ومحنة كانت يديه الكريمتين تُرفع تضرعاً إلى الله ، وعينه تُذرف تبتلاً وخضوعاً وتضرعاً إلى الله ، وقلبه يخفق ، ولسانه ينطق .
إنها صورة لابد أن تعظم وتكثر في حياتنا الذاتية عموماً ، وعند هذه الفِتن خصوصاً ، والله -سبحانه وتعالى - بيّن لنا أثر هذا الدعاء ، وبيّنه لنا في سيَِر الرسل والأنبياء في آدم وزوجه: { قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .
عندما وقعت الفتنة بالأكل من الشجرة كان المخرج الدعاء والتبتل والتضرع لرب الأرض والسماء ، فكان الفيض ، وكانت التوبة ، وكانت النعمة من الله - سبحانه وتعالى - على آدم .
وفي قصة يونس - عليه السلام - نعرف جميعاً ماذا كان يقول في جوف الحوت ، وماذا كان دعاءه وذكره الذي كان سبباً من أسباب تفريج همه وكربه ونجاته مما ألمّ به .. { لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } .
وفي مثل هذا الدعاء إقرارٌ بالخطأ ، واعترافٌ بالذنب ورجاءٌ وابتهالٌ وتضرعٌ بالسلامة من الآثار الوخيمة .
ولذلك ورد كذلك في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه اللفظة {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } قال عليه الصلاة والسلام: ( لم يدعو به رجلٌ مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له ) رواه الترمذي في السنن .
ومن الدعاء الاستغفار وهو من أسباب النجاة ، كما قال الله عز وجل: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } .
والإكثار من الذكر كما في قصة يونس: {فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون } .
والله - سبحانه وتعالى - جعل لنا أنواعاً من ذكره ودعاءه ، والتبتل إليه ..من اعتصم بها وأدمن عليها ، وأكثر منها أحيا الإيمان في قلبه ، وعظمت التقوى في نفسه ، وانكشفت البصيرة في عقله ، وأصبح له من نور الله ، ومن اعتصامه به ، ومن الدعاء له ، ومن تضرعه إليه ما يفيء به إلى خيرٍ كثيرٍ بإذن الله .
ومن ذلك الاستعاذة والتعوذ من هذه الفِتن من شرورها وضلالها وزيغها فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تعوّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ) رواه مسلم .
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - في هذا التعوّذ:"لا يقولنّ أحدكم: إني أعوذ بالله من الفِتن ؛ فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتملٌ على فتنة ، إنما أولادكم وأموالكم فتنة فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مُضلات الفِتن".
نسأل الله - عز وجل - أن يعذنا من مُضلات الفتن ، وأن يصرفنا عنها وأن يفيء بنا إلى الحق والثبات والاعتصام بكتابه وسنة النبي صلى الله عليه وسلم .
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
ومن معالم العصمة الصبر والثبات ، ولابد من ذلك ؛ فإنها محن لابد أن تصيب بالأذى ، ولابد أن يشعر بما فيها من البلاء ، ولكن الصابرون - بإذن الله عز وجل - تكون لهم الغلبة والمخرج السالم برئ من أثر وخيم على إيمانهم ويقينهم وعلى سلوكهم وأخلاقهم.