فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } .
{ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [ البقرة:5 ] .
هذه آية ناطقة بأثر هذا الصبر في مثل تلك المحن ، وقد قال جل وعلا: { إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران:120] .
لا يضرنا كيد الكايدين ، ولا ظلم الظالمين ، ولا عدوان المعتدين ، وأهم شيء ألا يضرنا في ديننا ، واعتقادنا ، وإسلامنا ، وثوابتنا ، والتزامنا شرع الله - سبحانه وتعالى - وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله - جل وعلا - يقول: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [ البقرة:153 ] .
وكان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ، وقال عليه الصلاة والسلام: ( ما أعطي أحداً عطاءً خيراً ولا أوسع من الصبر ) .
وقال في دلالة هذا الصبر عند المحن:
( يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر ) .
ومن هذا الصبر - كما ذكر العلماء - الصبر في كف اللسان ، والمنع من الخوض في الفتن من غير بصيرة وعلم وبيان ، ونحن نعلم أن كثيراً من القول في مثل هذه الأحوال باندفاع وعواطف ومجاراة لمن يقول ويخوض مع الخائضين إنما تعظم به الرزية ، ويكثر به الاختلاف ، وتعظم به الحيرة والاضطراب ، وكثير من ذلك ليس له أساس يثبت ، وإنما هو محض هذه الاضطرابات والاختلافات ، وكذلك التنابز بالألقاب ، والاختلاف بين الناس يعظم أثره بما يكون من قول اللسان في هذه الفتن ، حتى عظّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك على وجه الخصوص في الفتنة ، كما روى عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( تكون فتنة تستنظف العرب - أي تستوعبهم هلاكاً - قتلاها في النار ، اللسان فيها أشد من وقع السيف ) ، رواه أبو داؤد ، وابن ماجه في سننهما ، وأحمد في مسنده بسند صحيح.
وذلك أمر مهم ، ولعلنا نختم هذه المعالم بحقائق الإيمان وأباطيل الكفر معرفتها في ضوء هذه الثوابت ؛ فإننا نعرف من حقائق الولاء والبراء ، ومن حقائق معرفة الظلم والاعتداء ، ومن حقائق وجوب نصرة أهل الإيمان والإسلام ، ومن حقائق الولاء لهم ، والبراء من أعدائهم ما ينبغي أن لا يتغير ؛ لأن آيات القرآن لا تتغير ، ولأن الحقائق الإيمانية الثابتة المقطوع بها لا تتبدد ، والله - عز وجل - قال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ } [ الممتحنة: من الآية1 ] .
وبين - سبحانه وتعالى - حقيقتهم فقال: { إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ} [ الممتحنة:2 ] .
وقال - سبحانه وتعالى - لأهل الإيمان: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ } [ الممتحنة: من الآية4 ] .
وهذا أمر واضح هو الإيمان والكفر ، من آمن بالله رباً ، وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - نبياً ، وبالإسلام ديناً فهو الذي نواليه ومن برئ من ذلك بل وحاربه وعداءه فنحن أعداءه إلى يوم الدين بدل من بدل وغير من غير سيما إذا اجتمعت حقائق أخرى من الظلم والبغي والعدوان.
إن الله عز وجل قد قال: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} .
وأولئك قوم قد عرفنا أنهم أصحاب كل قتال لأهل الإسلام في كل ميدان ، قد شهدت بذلك أدغال إفريقيا ، كما شهدت به مواطن الضياء التي يزعمونها في أوربا ، كما شهدت به مواقع شرق وغرب كثيرة .