فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومن أنواع الكذب السائدة في المجتمعات، الكذبُ في البيعِ والشراء، ومظهرُه الغشُ ومخادعةُ المشترين من خلالِ إخفاءِ عُيوبِ السلعة، وإظهارِ الجيدِ في أعلى المباع والرديءُ في أسفلِه، قال عليه الصلاة والسلام (( البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإنْ صَدَقَا وبيَّنا بُوركَ لهما في بيعِهما، وإنْ كَذَبَا وكَتَمَا مُحِقَ بركةُ بيعهما ) ). .
وصَدَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ كثيراً من الباعةِ الغشاشين، والتجارِ الدجالين، يشكونَ من قلةِ زبائنهم، وكسادِ بضائعِهم، وضياعِ رؤوسِ أموالهم وكثيرٌ من هذا سَبَبُه الكذبُ والكتمان .
ومن الكذبِ السائدِ في المجتمعات، ما يحدثُ في وضحِ النهار ودون حياءٍ أو خوفٍ من الواحدِ القهار، فيما يُسمى بالمزادات العلنية، حيثُ تفوحُ رائحةُ الكذبِ من بعيد، وتسودُ روحُ الجشع، وترتفعُ الأصواتُ بالأيمانِ الكاذبة، وينصبُ الشيطانُ رايتَه، ويحدثُ النجشُ المحرم، وأكلُ أموالِ الناسِ بالباطلِ وبخسُهم حقوقَهم .
ومن الكذبِ كذلك الذي استساغُه أصحابُه وألِفوه، الكذبُ في الإعلاناتِ الصحافية، كبعض الذين يعلنون عن تقبيلِ محلاتِهم لعدمِ التفرغ، أو لدواعيِ السفر أو نحوها من الأكاذيب، ولو دققتَ النَظَر وأمعنتَ التأمل، لوجدتَ السببَ في بيعِ محلاتِهم تلك هو إفلاسَهم، وندرةَ زبائنِهم، ويشبهُ هذا النوعَ من الإعلاناتِ بعضُ إعلاناتِ التعازيِ أو التهنئة، والتي تُتخذُ وسيلةً للتملقِ أو الدعايةِ للنفس، وتخلُو من مضمونها الصحيح .
ومن الكذبِ الذي عمَّ وطمَّ، كذبُ الكثيرِ من وسائلِ الإعلام على مستوى العالمِ كله، من نشرِ الأراجيف، وبث الأخبارِ الكاذبة، والحوادثِ المختلقة، فهذه الإذاعةُ تؤكدُ النبأ، وتلك إذاعةٌ تنفيه، وذاك مسؤولٌ يُصرِّح، وآخرُ يُفند وتلك الصحيفةُ تَكذبُ، وأُخرى تَدخرُ كذبَها بكذبٍ آخر، وأصبح الناسُ في حيرةٍ من أمرِهم لا يدرونَ من يُصدِّقون، ولا بمن يثقون وأصبح مضربُ المثلِ عندَهم، لا تهتمَ بهذا الكلام إنَّه كلامُ جرائد .
ومن الكذبِ الخطيرِ كذلك كذبُ السحرةِ والكهنةِ ، والدجاجلة الذين يعبثونَ بعقائدِ الناسِ وأخلاقِهم، ويسخرونَ من أعراضِهم وقيمِهم، ويبتزونَ أموالهم بالباطل، مستغلينَ جهلَهم وحاجتَهم وضعفهم، عن عائشة t سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنَّ الملائكةَ تنزلُ في العنان - أي السحاب - فتذكرُ الأمرَ قُضِيَ في السماء، فتسترقُ الشياطينُ السمع فتسمعُه فتوحيه إلى الكُهَّان فيكذبونَ معها مائةَ كَذِبَة، منْ عند أنفسهم ) ) [2]
فحذاري أيها المسلم أن يُلجئكَ مرضُك أو حاجتُك إلى الذهابِ إلى ساحرٍ أو كاهنٍ، أو عرَّافٍ فتُدنسُ عقيدتك، وتُمتهنُ كرامتُك، ويُسلبُ مالُك ولا تَعودُ إلا بخفي حنين، قد ازددتَ مرضاً إلى مرضِك، وتعباً إلى تعبك، وبلاءً إلى بلاءك .
ومن الكذبِ الشائعِ كذلك، الكذبُ داخلَ نطاقِ الأسرةِ والبيت، فيتعلمُ الأبناءُ الكذبَ من بعضِ الأباء - هدانا اللهُ وإياهم - فلو طرقَ البيتَ طارقٌ أو اتصلَ أحدُهم بالهاتف لبادر أبناءه بقوله: قولوا له إنَّه مسافر، قولوا إنَّه نائم، وقريبٌ من هذا النوع من الكذب، الكذبُ على الأطفالِ الصغار، كأنْ يقولُ له: تعالَ أُعطيكْ شيئاً ولا يُعطهْ، أو يَعدهُ ثم يُخلفُ وعدَه إياه، ففي المسندِ من حديث عبدا لله بن عامر t قال: (( أتانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا وأنا صبيٌ، قال فذهبتُ أخرجُ لألعب، فقالتْ أمي: يا عبدا لله ، تعالَ أُعطكْ، فقال عليه السلام وما أردتِ أن تعطيَه ؟ قالت: أعطيهُ تمراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أَمَا أنَّك لو لم تفعلي، كُتبتْ عليكِ كَذِبَة ، ) ) [3] .
وفي المسند كذلك من حديث أبي هريرةَ t أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( من قال لصبيٍ تعال َهاكَ ، ثم لم يعطْه فهي كَذِبَة ) ) [4] .
فليحذر إخوانُنا الذين يحترفونَ هذا النوعَ من الكذب، أن تتراكمَ عليهم الذنوب وهم لا يشعرون .
ومن الكذبِ السائدِ في المجتمع الكذبُ داخلَ النطاقِ الوظيفي، حيثُ استساغَ كثيرٌ من الموظفين الكذبَ على مراجعيِهم، وتعطيلَ مصالحِهم، وتبديدَ أوقاتهم بدعوى زحمةِ العمل، وتراكمِ المعاملات .
ولو أمعنتَ النظر لوجدتَ جلَّ مشاغلِهم هو قراءةَ الصحف، وتبادلَ النُكت، وتحليلَ المباريات، وكثرةَ الخروج أثناءَ ساعاتِ العمل، وأما الكذب من أجلِ إضحاكِ الآخرين فكثيٌر، وفي المسند قال عليه الصلاة و السلام: (( ويلٌ للذي يُحدِّثُ فيكذب ليضحكَ به القوم ويلٌ له ، ويلٌ له ) ) [5]
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين,
أمَّا بعدُ:
أما بعد أيها المسلمون:
فمن الأكاذيبِ الخطيرةِ كذلك، ترويجُ الشائعاتِ الباطلة التي تُحدثُ الأراجيف، وتُخلخلُ الصفوف، وتُعكرُ صفاءَ النفوس، وعند البخاري رحمه الله في حديثِ الرؤيا الطويل، وفيه قالَ عليه الصلاة ُوالسلام: (( فانطلقنا فأتينا رجلاً مستلقى على قفاه، وإذا آخرُ قائمٌ عليه، بكَلَوبٍ من حديد، وإذا هو يأتي أحدَ شقيِ وجههِ، فيشر شر شِدْقَه إلى قفَاه وعينَه إلى قفاه ، ثم يتحولُ إلى الجانبِ الآخر، فيفعلُ به مثَلَ ما فَعَلَ بالجانبِ الأول، فما يفرغُ من ذلك الجانب، حتى يصَّح ذلك الجانبُ كما كان ، ثم يعودُ عليه فيفعلُ مثلَ ما فعَلَ المرةَ الأولى ) ) [6] .
ثم أوَّلَها عليه السلام، بأنَّه الرجل يغدو من بيته فيكذبُ الكذِبة تبلغُ الآفاق .
فليحذرْ الذين يروجون الشائعاتِ الباطلة، ويمتهنون الدجل فإنَّ لهم أجلاً موعداً لن يخلفوه .
ومن الكذب الخطير كذلك: إلصاقُ التهمِ الباطلةِ بالأبرياء، وإعظامُ الفِرية في حقهم، ففي صحيح البخاري من حديث جابر بن سمرة t شكا أهلُ الكوفةِ سعداً t إلى عمرَ بنِ الخطاب، حتى ذكروا أنه لا يُحسنُ يُصلِّي فأرسل عُمرُ إلى سعدٍ رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة، ولم يدعوا مسجداً إلا سألوا عنه، وكلهم يُثنونَ عليه معروفاً، حتى دَخَلَ مسجداً لبني عَبْسٍ فقام رجلٌ منهم يقال له: أسامةُ ابنُ قتادة، فقال له أمَّا إذا نشد تنا، فإنَّ سعداً كان لا يسيرُ بالسرية، ولا يقسمُ بالسوية، ولا يعدلُ في القضية - يعني أنَّه جبانْ، تباً لكَ أيُّها المفتري ، يقولُ عن أسدِ القادسية وقاهرُ الفرسِ بأنَّه جبان، ! وهو الذي كان يُعلمُ أبنائه التعوُّذ من الجبنِ والحذرِ منه، كما يُعلَّم المُعلِّمُ الغلمانَ الكتاب، يقولُ عن سعد بأنَّه جبان، وسعدٌ هو أولُ منْ رمى بسهمٍ في سبيلِ الله - قال سعد:أما واللهِ لأدعوَ ن بثلاث: (اللهم إنْ كانَ عبدُك هذا كاذباً ، قام رياءً وسمعة، فأطلْ عمرَه، وأطلْ فقرَه، وعرِّضه بالفتن) فكان ذلك الرجلُ المفتري يقول - وهو طاعنٌ في السن: شيخٌ كبيرٌ مفتون، أصابتني دعوةُ سعد .
قال الراوي عن جابر: فأنا رأيته قد سقطَ حاجباه على عينيهِ من الكِبرَ، وأنَّه يتعرضُ للجواري في الطريقِ يَغمزهُن،! أ فيأمنُ بعد ذلك ملفقو التهم أنْ تصيبَهم دعوةٌ كدعوةِ سعد ؟.