وفي صحيح مسلم من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حق عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم ) .
ولئن كان ذلك في الرسل والأنبياء قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو به أحرى ، وهو الذي قام به على أتم وأكمل وجه ، فما من خير مطلقاً إلا أرشدنا إليه ، وما من شر جملة إلا حذرنا منه - عليه الصلاة والسلام - . وذلك كمال ليس فيه تصادم ، وليس فيه تعارض بين آيات القرآن بعضها مع بعض ، ولا بين آيات القرآن وما صح من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بل هو انسجام واتفاق وتكامل في كل التشريعات والأحكام والقواعد: { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا } .
وبذلك نستغني عن كل شيء ، وعن كل مذهب ، وعن كل قانون ، مهما جُعلت له الأسماء ، ومهما اجتمعت عليه الآراء ، ومهما وقعت عليه الجماعات ؛ لأن عندنا ما نستغني به عن كل ذلك: { وما كان ربك نسيا } .
وقد جاء التحذير لنا والتنبيه في آيات القرآن نفسها ألا نحيد عن هذا الطريق وألا نخرج عن تلك الجادة: { يا أيها الذين أمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } .
استمع إلى التحذير المنفي على الإطلاق: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } .
قال ابن القيم - رحمه الله - في بيان ما قد يكون عندما يترك الشرع والمرجع إلى الكتاب والسنة ، تُقدم آراء العقول وأهواء النفوس ، قال:"أصل كل فتنة إنما هو من تقديم الرأي على الشرع ، والهوى على العقل .. وكل من له مسكة من عقل ، يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي ، والهوى على الشرع ، وما استحكم الأمران - أي الرأي أو الهوى - في أمة إلا فسد أمرهم تمام الفساد . فلا إله إلا الله كم نفي بهذه الآراء من حق ، وأثبت بها من باطل ، وأميت بها من هدى ، وأحيي بها من ضلالة".
وذلك هو الذي يقع عندما لا نرجع ولا ننقاد إلى كتاب الله ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل مُعرضٍ عن ذلك متعرض لسلب صفة الإيمان عنه ، ودخوله في دائرة النفاق: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } .
فمن قدم واختار فكأنما نقض من أصل إيمانه وقاعدته واستمع لقول الله - عز وجل -: { إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا سمعنا وأطعنا } .
وأما أهل النفاق فقد وصفهم الله - عز وجل -: { وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريقٌ منهم مُعرضون } .
هذا هو الإعراض الذي حذرنا الله - عز وجل - منه .. هذه أصول تلك المرجعية كما ذكرها أهل العلم ؛ أولها: كتاب الله الذي هو خير الكلام وأصدقه فلا يقدمون على كلام الله كلام أحد من الناس .
والثاني: سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما أُثر عنه من هدي وطريقة لا يقدمون على ذلك هدي أحد من الناس .
والثالث: ما وقع عليه إجماع الصدر الأول من هذه الأمة قبل ظهور البدع والمقالات ، وما جاءهم بعد ذلك مما قاله الناس وذهبوا إليه ، ووزنوه بهذه الأصول الثلاثة ، وأرجعوه إليها فهذه قضية ثابتة ، ومرجعية كلية كاملة ، هي إحدى عواصم كل مسلم من كل فتنة بإذن الله - عز وجل - .
القاعدة الثالثة: الحرمة العظيمة
لهذا الدين العظيم .. لكتاب الله - عز وجل - الكريم .. لرسول الهدى - عليه الصلاة والسلام - ، بل والحرمة العظيمة للمسلم المؤمن الذي يؤمن بالله ، ويؤمن برسوله - عليه الصلاة والسلام - المسلم المؤمن له حرمة عظيمة في كل شيء يتصل به ، وفي كل أمر يتعلق به ليس بمجرد إزهاق نفسه ، أو قتله فذلك من أعظم الجرم وأشد ما ورد فيه الوعيد: { ومن يقتل مؤمن متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً } .
وذلك من الوعيد المغلظ المشدد ، الذي لم يرد في القرآن له مثيل إلا فيما هو أجّل من هذا وأعظم ، وإذا تأمل الإنسان المؤمن يرى أن كتاب الله - عز وجل - ، وهذا الدين قد حمى جناب المسلم حماية عظيمة ، ليس في دمه فحسب ، بل في دمه وماله وعرضه ، بل حتى فيما هو أقل من ذلك أليس قد قال رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -: ( لا يتناجى اثنان دون الثالث ؛ فإن ذلك يُحزنه ) .
بمجرد إدخال الحزن على المسلم جاء النهي لئلا يكون على هذا المسلم شيء يزعجه أو يضره أو يؤذيه: { والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً } .
وفي حديث البراء في سنن ابن ماجة بسند صحيح رجاله موثوقون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( لَزوال الدنيا أهون على الله - عز وجل - من قتل امرئٍ مسلم بغير حق ) .