فهرس الكتاب

الصفحة 8452 من 9994

أرأيت أخي المسلم: أرأيت كيف ينقلبُ الإنسانُ إلى ظالمٍ متجبر، وهمجيٍ مستبد, حين يموتُ ضميرهُ ويضعفُ إيمانُه, يوم كانتْ المرأةُ في بيتِ أبيها محفوظةً مصونة, لا سُلطان للزوجِ عليها, كانَ الزوجُ في غايةِ الرقةِ واللين, يقطرُ حياءً وأدباً, حتى إذا ما وقفتْ الفريسةُ بين براثِنه كشَّر عن أنيابه، وظهرَ زيفهُ ودجلُه, وأخذ يماطلُ ويراوغ, ونسي أنَّ للمظلومِ دعوةً لا تُرد.

أيها المسلمون: وأمَّا سوءُ العشرةِ, وقسوةِ المعاملة, فحدِّث ولا حرج، فقد تعسفَ بعضُ الأشقياءِ في معاملةِ زوجاتِهم، وأساءوا استخدامَ حقِّ القوامة, وحسبوا الرجولةَ والشجاعة في إهانةِ أولئك الضعيفات, من خلالِ كثرةِ السبابِ والشتم, وتقطيبِ الجبينِ والحاجبِ, وإظهارِ العُبوسِ والتبرم, فلا يعجبُه عجب, ولا يُرضيه شيء, دائمُ الاعتراض, كثيرُ الشكوى, لا يقرُ له قرار, ولا يهدأُ له بال, إنْ نامتْ زوجتُه أيقظَها, وإنْ استيقظتْ أهملها, إنْ جلستْ أوقفَها, وإنْ قامتْ أقعدها,

وهو فوقَ ذلكَ كُلِّه لا يكفُ عن الاستهزاءِ بها, والسخرية منها, والتندرِ بشخصِها وشخصيتها, يخلعُ عليها أسوأَ الألقاب, ويناديها بأقبحِ الأنساب, وقد يبالغُ في إهانتِها أمام أولادِها خاصة, ممَّا يسقطُ هيبتَها, ويجرحُ كرامتَها, ويعصفُ بكبريائِها ومكانتها.

ومن ثمَّ يفقدُها احترامَ أولادِها, ويُسلطهم عليها, وقدْ تتعدَّى إهانةَ الزوجة إلى إهانةِ أهلِها وذويها, والسخريةِ منهم, والتندرِ بهم، فأبوها الذي كانَ ملءَ السمعِ والبصر, رفيعَ القدرِ والمنزلة قبيل توقيعِ عقدِ النكاح، أصبحَ اليوم الشيخَ المُخرف, والعجوزَ الأُشيمط, وقلْ مثل ذلك في حقِّ بقيةِ العائلةِ الكريمة, فلكلٍ منهم نصيبه كاملاً غيرَ منقوصٍ, من قاموسِ الألقابِ الصبيانية.

أيها المسلمون: وأسوأُ من سابقه، أن يتسلطَ بعضُهم على زوجتِه بالضرب، نعم بالضرب، بل هو ضربٌ من نوعٍ خاص, لا تفيقُ معه الضحية إلا بعد سويعاتٍ من العناية ِ المركزة والرعايةِ المكثفة, بعد أن تكونَ قد فقدتْ بضع لترات من دمائها الزكية, إرضاءً لغرور ذلك المستبد, المتلذذِ برؤيةِ الضحية تنزفُ من كلِّ اتجاه, ولا يظنُ أحدٌ أنَّ في الكلامِ تهويلاً أو مبالغة، إذ لا يدركُ ذلك إلاَّ من اطَّلع على ما يكتبه بعضُ تلك الزوجات، يشكونَ وحشيةَ أزواجهمِ, استغفرُ الله بل جلاديهم الذين لا تعرفُ الرحمةُ طريقاً إلى قلوبهم، أو الشفقةُ سبيلاً إلى نفوسهم, لكنَّ الذي يدهُ في النار ليس كالذي يدهُ في الماءِ, والطين.

أحبتي الكرام: ومن مظاهرِ ظُلم الزوجات كذلك, ظلمُ الزوجةِ في حرِّ مالهِا, كالذين يستولونَ على مرتباتِ زوجاتهم, من المدرساتِ وأمثالهن، بحجةِ بناءِ المستقبلِ المشترك، أو الاحتياطِ لنوائبِ الدهر والزمان, أو بدعوى تشغيلِه وإنمائِه، ونحوها من الدعاوى, حتى إذا ما طلبتْ الزوجةُ فكرةً, أو بعضَ فكرة عن مصيرِ أموالِها، أو احتاجتْ بعضاً من حلالِها, أو رغبتْ في كشفِ حسابٍ لرصيدها, جاءها كشفُ الحساب بأصفارٍ أربعة، صفران للهللات وصفران للريالات, فإن أعجبَك وإلا أشربي من البحر أيتُها الزوجةُ المصون, فقد طارت الطيور بأرزاقها, وقد تمتنع الزوجةُ من إعطاءِ مالها، فيقلِبُ حياتَها جحيماً, ويُضرمُ بيتَها ناراً, حتى ترضخَ لمطامِعه, وتنزلُ عند مطالبهِ، وما درى المسكين أنه يأكلُ سُحتاً, وكُلُّ جسدٍ نبتَ من سحتٍ فالنارُ أولى به .

أيها المسلمون: وقد يتخذُ ظلمُ الزوجة هيئةً أخرى, فحين يرغبُ الزوجُ في مفارقةِ زوجتهِ لأمرٍ ما, فإنَّه لا يلجُ البيوتَ من أبوابها، فيسرحُها بإحسان، ولكنَّه يلجأُ إلى طريقةٍ جبانة, وحيلةٍ دنيئةٍ, فيلجأُ إلى عضلِ زوجتهِ وعسفهاِ، وقهرِها بشتَّى الوسائل وبكلِّ السُبل، كي يُلجئَها إلى طلبِ الخُلع ليحصلَ على مقابلٍِ مادي عوضاً عن خُلعهِ لها, هذا اللئيم يعرفُ أنَّه حينَ يطلقُ زوجتَه برغبتِه، فإنَّه لن يحصلَ على شيءٍ مقابل, لذا تُراه يبذُل وسعَه وغايته في تنغيصِ عيشِها, وتكديرِ خاطرها، لتطلبَ هي الفراق، وترضى بالمُخالعة, وقد فضحَ اللهُ هذا النوع من الرجال فقال: (( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنّ ) ).

ألا فليتق الله أولئك, فإنَّ أجل الله لآت, وعند الله تجتمع الخصوم.

أيها الأفاضل: وأمَّا إهمالُ البيت والنظرِ في احتياجاتِ الزوجةِ ومطالبها، فحدِّث ولا حرج.

إذْ لا وقتَ لدى البعض لتحقيقِ شيءٍ من ذلك, فبرنامجُه حافلٌ بالعطاء, مليءٌ بالإنجازاتِ الباهرة، فهو يعودُ من عمله لينامَ حتى الغروب، ينطلقُ بعدها إلى الشلةِ إياهم، حيث تبدأُ ساعاتُ الأنسِ والسمر والسهرِ حتى ساعات الصباحِ الأولى، يعودُ بعدها إلى البيتِ مجهداً مكدوداً, بعد نصرٍ بطولي، وكفاحٍ رجولي في لعبِ الورق، وقتلِ الفراغ، فقلْ بربك متى يحققُ طلباتِ البيت ؟! وكيف يقومُ بالواجب؟

وقد يكملُ مشوارَهُ في عسفِ زوجتهِ وقهرها، من خلالِ التقتيرِ عليها، وغلِّ اليد عن الإنفاقِ, أو الإحسانِ إليها, وقد تتساءلُ أخي الكريم ولماذا يُقترُ عليها ؟ألانه فقيرٌ وراتبهُ يسير ؟ أم لأنَّه مشغولٌ بالصدقاتِ وتفقدِ المحاويج ؟

والجواب: كلاَّ , كلاَّ ، ولكنَّه يدخرُ رواتبَه, ويجمعُ دراهمه استعداداً للسفر كما هي عادتُه كلَّ إجازة, فحبُ السفرِ يجري في دمه وينبضُ في عروقهِ, فمرة في الكاريبي، وأخرى إلى مدريد، وثالثةً في باريس، ورابعة إلى سنغافورة .

كثيرُ الأسفار، دائمُ الترحال كالطير، لكنَّ الطائرَ البهيم أكثرُ ذكاءً منه، فهو يغدو خماصاً ويَروحُ بطاناً, أمَّا صاحبُنا فيغدوا بطاناً ويروحُ خماصاً, يذهبُ بكدِّ السنةِ كلِّها, فينفقُه في شهرٍ أو شهرين, يعودُ بعدها صفرُ اليدين، أشهبُ الوجه، منهكُ القوى, كئيبُ النفس، ولك الله أيتُها الزوجةُ الصبور.

ونوعٌ آخر من الأزواج يسلكُ طريقاً غريباً في ظلمِ زوجتهِ وتعذيبِها، من خلالِ التلاعبِ بأعصابِها، والعبثِ بمشاعرِها,والسخريةِ من عواطِفها, حين يظلُ ساعاتَ الليلِ والنهار يُطلقُ نكاتُه السمجة، ومداعباتِه الثقيلة, ويعلنُ عن رغبته المُلحة في الزوجةِ الثانية, فيسمعُ زوجتَه دونَ مراعاةٍ لشعورِها, أو مداراة لأحاسيسها.

أوه ألا ليتَ الزوجةَ الثانية, وما أسعدَ فُلان بزوجته الثانية, وما أسعدَ فُلان بزوجته الثالثة, آواه العينُ بصيرة واليدُ قصيرة, ثم يخاطبُ زوجته فلانة, ألا تخطبينَ لي ألا تزوجيني, إنَّه لا يجيدُ غيرَ هذا الحديث، ولا يُحسنُ سوى هذا الكلام, ولا يتفوهُ إلا بهذهِ القضية، وكأنَّ مشاكلَ المسلمين قد حُلَّت كُلها ولمْ يبق إلا هو ليتزوجَ الزوجةَ الثانية, إمَّا أن ْيكونَ رجلاً فيتزوجُ الأخرى بصمتٍ تام, أو يكفَ عن هذا الزنِّ والضجيج, فليسَ في الزواجِ من الثانية محظورٌ في الشرعِ أو العقل.

ولكنَّ المحظور، كثرةُ اللتِ والعجن، والهراءِ الفارغ المثيرِ للأعصاب، المنرفزِ للشعور, ألا رفقاً بالقوارير أيها الزوج المحترم .

وقريباً من سابقه وأسوأُ منه، عدمُ العدلِ بين الزوجات، وما أكثرَ ما يقعُ هذا لدى المعددين وما أدراك ما المعددون, فبعضُهم يميلُ بقلبهِ ودراهمه نحو الزوجةِ الجديدة, فالمسكنُ الضخمُ من نصيبِها، والخدمُ والحشمُ تحتَ تصرفِها، وأمَّا رفيقةُ العمر وأمُّ الأولاد، ففي البيتِ الشعبي الذي أكلَ الزمانْ عليه وشرب، حتى آلَ إلى السقوط، وأصبحَ مرتعاً للحيواناتِ الأليفة وغيرِ الأليفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت