كما يدل على إثبات الأنبياء لصفات الخالق جل وعلا ما جاء عن كعب الأحبار قال: قال الله عز وجل في التوراة: «أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي ولا يخفى علي شيء في السماء ولا في الأرض» ، وفي الإنجيل أن المسيح عليه السلام قال للحواريين: «إن كنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم، انظروا إلى الطير فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن، وأبوكم الذي في السماء هو يرزقهن» . كذا أروده الإمام ابن قتيبة في مختلف الحديث. [العلو ص145] ، وسيأتي دعاء داود عليه السلام قوله: «إليك رفعت رأسي يا عامر السماء، نظر العبيد إلى أربابها يا ساكن السماء» .
ويؤكد ما ذكرنا ويدل عليه أيضًا ما قصه الله تعالى عن فرعون عليه اللعنة في تكذيبه موسى عليه السلام في أن الله عز وجل العلي الأعلى خالق كل شيء وإلهه، وذلك قوله تعالى في سورة القصص: وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين [القصص: 38] ، وقوله في سورة المؤمن: وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36) أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب [غافر: 36، 37] ، ففرعون لعنه الله تعالى كذب موسى في أن رب السماوات والأرض ورب المشرق والمغرب وما بينهما هو الله الذي في السماء فوق جميع خلقه مباين لهم لا تخفى عليه منهم خافية، وقد أدى ما فهمه فرعون عن موسى من إثباته أن له إلهًا فوق السماء، لأن يروم بصرحه الذي أمر ببنائه أن يطلع إليه واتهم موسى بالكذب فيما يقول ويدعي من أن له ربًا في السماء أرسله إليه، ولو أن موسى قال إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته أو في بدنه أو في حشه ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح، لكن مخالفنا ليس يعلم أن الله فوقه بوجود ذاته ومن ثم فهو أعجز فهمًا من فرعون، وعليه فكل جهمي ناف لعلو الله عز وجل هو فرعوني وعن فرعون أخذ دينه، وكل سني يصف الله تعالى بما وصف به نفسه أنه استوى على العرش بائن من خلقه فهو موسوي محمدي متبع لرسل الله وكتبه.
[اجتماع الجيوش لابن القيم ص68، 75، 107]
«وبالجملة فجميع رسل الله عليهم الصلاة والسلام وجميع كتبه المنزلة وجميع أهل السماوات ومؤمني أهل الأرض من الجن والإنس أتباع رسل الله، وجميع الفطر السليمة والقلوب المستقيمة التي لم تجتلها الشياطين عن دينها، جميعها شاهدة حالاً ومقالاً أن خالقها وفاطرها ومعبودها الذي تألهه وتفزع إليه وتدعوه رغبًا ورهبًا، هو فوق كل شيء عال على جميع خلقه، استوى على عرشه بائنًا من مخلوقاته، وهو يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم وجميع تقلباتهم وأحوالهم لا يخفى عليه منهم خافية، ولهذا ترى جميع المؤمنين عالمهم وعاميهم وحرهم ومملوكهم وذكرهم وأنثاهم وصغيرهم وكبيرهم كل منهم إذا دعا الله تبارك وتعالى في جلب خير أو كشف مكروه إنما يرفع يديه ويشخص ببصره إلى السماء إلى جهة العلو، إلى من يعلم سره ونجواه متوجهًا إليه بقلبه وقالبه، يعلم أن معبوده فوقه وأنه إنما يدعى من أعلى لا من أسفل كما يقول الجهمية قبحهم الله تعالى وتنزه عما يقولون علوًا كبيرًا» . [معارج القبول 1/124]
وعلى العموم فإن الإثبات ورد على ألسنة جميع الأنبياء كما ورد في كافة كتبهم المنزلة وعلى ألسنة جميع أتباعهم، يقول سيد الوعاظ عبد القادر الجيلي شيخ بغداد في كتاب الغنية: «أما معرفة الصانع بالآيات والدلائل على وجه الاختصار، فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد» إلى أن قال: «وهو مستوٍ على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء: إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه [فاطر: 10] ، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: الرحمن على العرش استوى [طه: 5] ، وينبغي إطلاق ذلك من غير تأويل، وكونه تعالى على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل، بلا كيف.
[العلو ص193]