فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ومهما كان الحكم قاسياً ، فهو حقيقةً لا تقبلُ الجدال أو المناقشة ، فالذي حكم بكفرهم هو الله ورسوله ، فأما الله جلا جلاله فيقول: (( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين ) ) (التوبة: من الآية11)
ومفهوم الآية واضحٌ ويعني باختصارٍ شديد ، إن لم يقوموا الصلاة فليسوا أخوةٌ لنا في الدين ، أي إنهم مرتدون خارجون عن الإسلام وأهله ، أفهمتم يا من تتركون الصلاة ، وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم .
وفي القرآن الكريم: (( مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) ) (المدثر. من الآية 42: 48 ) .
وما حِرمانهم من الشفاعة إلا دليل واضح على كفرهم وردتهم ، وخسارتهم الدنيا والآخرة ، ذلك هو الخسران المبين .
وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد أعلنها صريحةً لا تقبلُ التأويل ، فقال عليه الصلاة والسلام: (( العهدُ الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) ) [1] .
وقال أيضا: (( بين الرجل وبين الشرك و الكفر ترك الصلاة ) ) [2] .
وأما عبد الله بن الشْقِيق رحمه الله فينقل موقف صحابة النبي صلى الله عليه وسلم ينقل موقفهم من تارك الصلاة فيقول: ( ما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما كانوا يعدون شيئاً تركه كفراً إلا الصلاة) .
وهو كما ترى أخي المسلم: موقف صارم لا رجعة فيه ولا تردد ، فترك الصلاة أيها الناس كفرٌ ورده ، وسفهٌ وجنون .
وأما الذين لا يعرفون الكفر, وما معناه: فالكفرُ جحيمٌ لا ينقضي ، وعذاب لا ينتهي ، الكفر بُئسٌ وعناء, ودماءٌ وأشلاء, الكفرُ زفراتٌ وآهات ، دموعٌ وعبرات ، (( فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيم* يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) ) (الحج:22,21,20,19) . (( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ* وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَصِيرٍ ) ) (فاطر:37,36) .
إ (( ِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ) ) (النساء:56) . (( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) ) (الزخرف:78,77) .
فاتقوا الله يا من تتركون الصلاة ، واعلموا أن هذا مصيركم مادمتم مصرين على تركها ، متهاونين في أدائها, ليعلم تاركو الصلاة كافةً أنهم يرتكبون خطأً قاتلا ، وتصرفاً مهلكاً ، يتوقف عليه مصيرهم كله ، وأنهم إن لم يتداركوا أنفسهم, ويكفوا عن عنادهم ، فهم سيؤولون لا محالة إلى تلك النهاية البائسة ، وذلك الليل المظلم ، وذاك العذاب الدائم المخيف ، ليعلم تاركو الصلاة أنهم لو أنفقوا ما في الأرض جميعا, ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ، ولهم عذاب مقيم .
إن ترك الصلاة أيها الناس والاستخفاف بها ، خطأٌ فادح بكل المقاييس ، وجنايةً مخزيةً بكل المعايير, لا ينفع معها ندمٌ, ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار ، إننا ندعوا هؤلاءِ بكل شفقةٍ وإخلاص ، ندعوهم والألم يعتصر قلوبَنَا خوفاً عليهم, ورأفت بهم ، ندعوهم إلى إعادة النظر في واقعهم ، ومُجريات حياتهم ، ندعوهم إلى مراجعة أنفسهم وتأمل أوضاعهم قبل فوات الأوان ، إننا ننصحوهم بأن لا تخدعوهم المظاهر ، ولا يغرهم ما هم فيه من الصحة, والعافية, والشباب, والقوة ، فما هي إلا سراب بقيعة ، يحسبه الظمآن ماءً, أو كبرقٍ خُلب سرعان ما يتلاشى و ينطفي ويزول فالصحة سيعقبها السقم ، والشباب يلاحقه الهرم ، والقوة آيلة إلى الضعف ، ولكن أكثر الناس لا يتفكرون .
ليتذكر تاركون الصلاة أنهم صائرون إلى قبورٍ موحشة ، وحفرٍ مظلمة ، وأنه لا ينفع ساعتها مالٌ ولا بنون ، ولا صديقٍ ولا صاحب .
ليعلم تاركُ الصلاة أن أصحابه الذين غروه ، في ترك الصلاة وإضاعةِ فريضة الله ، وزينوا له محاكاتهم وتقليدهم ، ليعلم جيداً أنه حين يفارقوهم ، فلن يذرفوا عليه سوى دموع التماسيح ، يعودن بعدها إلى مزاميرهم وطربهم وأنسهم ، غير مكترثين به ولا بألفٍ من أمثاله ، إنهم أنانيو الطباع ، ميتوا الإحساس ، لا همَّ لهم إلا أنفسهم وملذاتهم ، ولو فقدوا الآباء والأمهات ، فضلاً عن الأصحاب والخِلان .
فاستيقظ يا هذا من غفلتك ، وتنبه من نومتك ، فالحياة قصيرة وإن طالت ، والفرحة ذاهبة وإن دامت .
(( يَا أَيُّهَا الْإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ) ) (الانفطار:7,6) .
(( يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) ) (الانشقاق:6) . الإسلام يا هؤلاء ليس بالأسماء والصور، وليس بالدعوى والأماني ، ولكنه قول واعتقاد وعمل ، وأما الدعوى فستذهب أدراج الرياح ، ستذهب أدراج الرياح هباءً منثورا ، لا تزيد صاحبها إلا حسرة وثبورا .
أيها المسلمون: وصنف آخر من الناس يؤخرون الصلاة عن وقتها ، فهم يؤدونها حسب أهوائهم, وتبعاً لأمزجتهم ، ووفقاً لظروفهم ، فإذا كانوا نائمين أدُّوها عند الاستيقاظ ، وإذا كانوا مشغولين أدُّوها عند الفراغ ، فالصلاة أمر ثانوي في حياتهم ، وشيء ساذج في أذهانهم ، وما درى هؤلاء الواهمون أنهم المعنيون ، بقوله تعالى: (( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ*الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ) ) (الماعون:5,4) .
قال مسروق رحمه الله: ( أي لا يفعلون الصلاة في وقتها المشروع) وعند البخاري عن الزهري قال: ( دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي ، فقلت ما يبكي ، فقال: لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة ، وهذه الصلاة قد ضُيعت ) يعني أُخرت عن وقتها.
فتأمل رعاك الله ، تأمل مشهد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيناه تذرفان ، ألماً وحسرة ، حين أخذ بنو أمية يؤخرون الصلاة عن وقتها ، مما أدمَ قلوب الغيورين على الصلاة ، وأسخن دموعهم ، وأثار حفِظتهم ، ومع ذلك كله فقد حرص الأسلاف على أدائها في وقتها المشروع ، وأن عرّضوا أنفسهم لبطش بني أمية وانتقامهم.
فعند عبد الرزاق عن عطاء أنه قال: (أخر الوليد بن عبد الملك الجمعة حتى أمسى, فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس ، ثم صليت العصر وأنا جالس إماء وهو يخطب ) .
وأخرج أبو نعيم من طريق محمد بن أبي إسماعيل قال: ( كنت بمنى ، وصحفٌ تقرأ للوليد ، فأخروا الصلاة فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إماءً وهما قاعدان ) .