أخي المصلي.. اعلم أنه كلما شرف المكان وطاب كلما كان أولى أن يُشرف ويحترم، ولما كان الطيب والبخور من علامات الإكرام والتشريف كان حريّا أن نجدها في أماكن العبادة فهي أولى بالشذا، وأحرى بالندى، كيف لا..؟ والمسلم مأمور بأن يأخذ زينته عند كل مسجد { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} فالمساجد أماكن عامة، تؤدى فيها أعظم عبادة، فهي بحاجة إلى كل عناية ورعاية، لتؤدي النفس عبادتها وهي مقبلة بخشوع وطمأنينة، أرأيت آكل الثوم والبصل لما آذى المصلين برائحته أمره الشارع بالخروج من المسجد تعزيراً له، إذاً; طلب الرائحة الطيبة للمسجد مطلب رفيع، وغاية مقصودة في دين الإسلام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت"أمر رسول ببناء المساجد في الدور ( والدور: هي الأحياء. ) وأن تنظف وتطيب" ( رواه الخمسة إلا النسائي ورجاله ثقات وعند ابن ماجة"واتخذِوا على أبوابها المطاهر وجمّروها في الجُمع"( والمطاهر هي محال الوضوء، والتجمير: هو التبخر لها ) .
وتطييب المساجد عام لكل أحد من إمام ومؤذن وغيرهما، وإن أُوكل الأمر لأحد كان أفضل وأكمل، والتطيب يكون بعود البخور أو الندى وغيرهما مما هو مستحسن عُرفاً، وسواء كان مما يُتبخر به أو يُرش رشاً أو غيرهما، فالمقصود هو جلب الرائحة الزكية للمسجد، وهذه الخصلة غابت عن الكثير من المصلين، مع أنها قربة وعبادة وطاعة وامتثال، ويتأكد تطييب المساجد يوم الجمعة لما سبق، ولأن عمر كان يطيب مسجد الرسول كل جمعة قبل الصلاة، كما أن عبد الله بن الزبير كان يبخر الكعبة في كل يوم ويضاعف الطيب يوم الجمعة، وسار على هذه السنة السلف والخلف حتى أن معاوية أجرى وظيفة الطيب للكعبة عند كل صلاة، وقالت عائشة رضي الله عنها"لأن أُطيّب الكعبة أحب إليّ من أن أُهدي لها ذهباً وفضة"وليعلم الجميع أن جلب الرائحة الزكية للمسجد تزيل كثيراً مما قد يعتريه من روائح، وتجلب السرور للمصلين، لأن من فوائد الطيب أنه يفرح القلب، ويغذي الروح، وكم هو جميل أن يتفق اثنان أو ثلاثة لتطيب المسجد كل أسبوع مثلا أو يوم الجمعة، فهكذا كانت المساجد الإسلامية محل عناية ورعاية وتطهير وتطييب، حتى اختلت الموازين وانقلبت المفاهيم في هذا الزمن عند كثير من الناس إلا ما رحم ربي فنتج عنه قلة الوعي بأحكام المساجد عند كثير من المصلين.
الوقفة الثالثة: حكم وضع مباخر العود في قبلة الصلاة:
قد يعتري بعض المصلين الحرج عند وضع مباخر العود في قبلة المصلين بحجة وضع الجمر فيها وذلك أثناء تطييب المسجد، وقد أجاب على هذا الإشكال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله فقال"لا حرج في ذلك، ولا يدخل هذا فيما ذكره بعض الفقهاء، في كراهة استقبال النار فإن الذين قالوا بكراهية استقبال النار علّلوا هذا بأنه يشبه المجوس في عبادتهم للنيران، فالمجوس لا يعبدون النار على هذا الوجه، وعلى هذا فلا حرج من وضع حامل البخور أمام المصلين ولا من وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلين أيضاً، لا سيما إذا كانت أمام المأمومين وحدهم دون الإمام."
الوقفة الرابعة: صور من تطيب السلف للصلاة وعند ارتياد المساجد:
إن سلفنا الصالح قد استنار بسيرة المصطفى فسار على دربه، واهتدى بهديه، فمن ذلك خصلة الطيب والتطيب حتى أن بعضهم صار يُعرف بالرائحة الزكية في ذهابه وإيابه لتزينه بأطيب الطيب وحينما يقصد الصلاة والمسجد، وإليكم شيئاً من حالهم في هذا الأدب الرفيع لمن أراد أن يرتقي إلى مصافهم، لإيقاظ الهمم ودفع العزائم نحو ذلك فمن حالهم، ما كان من سلمة أنه إذا توضأ أخذ المسك فمسح به وجهه ويديه، وكان عبد الله بن مسعود يُعرف بريح الطيب، وكان يعجبه إذا قام إلى الصلاة الريح الطيبة، والثياب النقية، أما عبد الله بن عباس فقد كان إذا خرج إلى المسجد عَرف أهل الطريق أنه مر من هنا، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه"يتطيب للجمعة والعيدين، وكان يأمر بثيابه أن تجمّر كل جمعة، وعُرف عثمان بن عروة بن الزبير بكثرة وضع الغالية، وكان حين يقوم من مصلاه يأتي الناسُ إلى مكانه ويسْلُتون الغالية من على الحصباء مما أصابها من لحيته، قال عثمان بن عبيد الله: رأيت ابن عمر وأبا هريرة وأبا قتادة وأبا أسيد الساعدي يمرون علينا ونحن في الكُتّاب فنجد منهم ريح العبير وهو الخلوق ( مصنف بن أبي شيبة(2/305) والآداب الكبرى (3/529) وموطأ مالك ) هكذا كانت مكانة الصلاة والمساجد عند سلفنا الأفذاذ لمعرفتهم حق المعرفة عظم تلك العبادة ولمعرفتهم أيضاً بين يدي من سيقفون فرحمهم الله رحمة واسعة."
الوقفة الخامسة: الصلاة وزينة اللباس: