أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا رجل يمشي فاشتد عليه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يكاد يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه ثم أمسكه بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر اللَّه له فغفر له، قالوا: يا رسول اللَّه، وإن لنا في البهائم لأجرًا؟ قال: في كل كبد رطبة أجرٌ» (8) .
فتأمل مدح النبي صلى الله عليه وسلم وثناءه على هذا الرجل لأنه سقى كلبًا، وإخباره بأن اللَّه غفر له لما فعل ذلك، مع أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن اقتناء الكلاب إلا لحاجة - كما هو معلوم ومنصوص عليه في كتب الفقه -، وإذا كان هذا في الحيوان الذي هذا شأنه، فما بالنا إذًا بغيره وبعموم الناس.
قال الإمام الحافظ ابن حجر - رحمه اللَّه: «وفي الحديث الحث على الإحسان إلى الناس، لأنه إذا حصلت المغفرة بسبب سقي الكلب فسقي المسلم أعظم أجرًا» (9) ، وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمته على رحمة الخلق جميعًا من يعقل ومن لا يعقل، وذلك فيما أخرجه الترمذي بسند صحيح عن عبد اللَّه بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة (10) من الرحمن فمن وصلها وصله اللَّه ومن قطعها قطعه الله» (11) .
قال الشيخ المباركفوري - رحمه اللَّه: «قوله: «الراحمون» لمن في الأرض من آدمي وحيوان محترم بنحو شفقة وإحسان: «يرحمهم الرحمن» أي: يحسن إليهم وينفضل عليهم، والرحمة مقيدة باتباع الكتاب والسنة، فإقامة الحدود والانتقام لحرمة اللَّه لا ينافي كل منهما الرحمة. «ارحموا من في الأرض» .
قال الطيبي: أتى بصيغة العموم ليشمل جميع أصناف الخلق فيرحم البر والفاجر، والناطق والبُهْم، والوحوش والطير» (12) ، ومعنى قوله: «الرحم شجنة من الرحمن» أي: قرابة مشتبكة كاشتباك العروق.
تنبيه: حرف «في» الوارد في الحديث: «ارحموا من في الأرض» بمعنى «على» كما في قوله تعالى: فسيحوا في الأرض يعني على الأرض، وهي بمعنى «على» أيضًا في قوله: «من في السماء» ، وعليه فالحديث من الأدلة الكثيرة على أن اللَّه تعالى فوق المخلوقات كلها كما هو معتقد السلف الصالح.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يعطف على الصبية الصغار ويقبلهم ويعد ذلك من الرحمة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن، فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه من لا يَرحم لا يُرحم» . وهذا عام يشمل الأطفال وغيرهم، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عموم الناس، فهو بحق رحمة للعالمين، والحمد لله رب العالمين.
وللحديث صلة - إن شاء اللَّه تعالى -.