فهرس الكتاب

الصفحة 5677 من 9994

والثاني: يتضمن حمده وعدله، وهو سبحانه له الملك وله الحمد، وهذا معنى قول نبيه هود عليه السلام ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ثم قال: إن ربي على صراط مستقيم أي مع كونه مالكا قاهرا متصرفا في عباده، نواصيهم بيده، فهو على صراط مستقيم، وهو العدل الذي يتصرف به فيهم، فهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، وقضائه وقدره، وأمره ونهيه، وثوابه وعقابه. فخبره كله صدق، وقضائه كله عدل، وأمره كله مصلحة، والذي نهى عنه كله مفسده، وثوابه لمن يستحق الثواب بفضله ورحمته، وعقابه لمن يستحق العقاب بعدله وحكمته.

وقوله: (( عدل في قضاؤك ) )يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه، من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذّة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز، وغير ذلك، كما قال تعالى: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير [الشورى:30] .

وقال تعالى: وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور [الشورى:48] .

فكل ما يقضى على العبد فهو عدل فيه.

وقوله: (( أسألك بكل اسم هو لك... ) )توسل إليه بأسمائه كلها، ما علم العبد منها وما لم يعلم، وهذه أحب الوسائل إليه، فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هو مدلول أسمائه، وقد قال تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها [الأعراف:180] .

ويستفاد من قوله: (( أو استأثرت به في علم الغيب عندك ) )أن لله عز وجل أسماء غير التسعة والتسعين المشهورة، والمذكورة في قوله: (( إن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ) ).

والمعنى: أسألك أن تجعل القرآن الكريم كالربيع الذي يرتع فيه الحيوان، وكذلك القرآن ربيع القلوب، والمراد أن يجعل قلبه مرتاحا إلى القرآن، مائلا إليه، راغبا في تلاوته وتدبره، منوّرا لبصيرته. فتضمن الدعاء أن يحيى قلبه بربيع القرآن، وأن ينوّر به صدره، فتجتمع له الحياة والنور، كما قال تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام:122] .

ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسري منه إلى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه. ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسري الحياة منه إلى الصدر ثم إلى الجوارح سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها. ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته سأل أن يكون ذهابها بالقرآن الكريم، فإنها أحرى أن لا تعود، وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا، أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك. وهكذا علمنا النبي أن القرآن الكريم هو ربيع القلوب ومادة حياتها، وقد نص على ذلك ربنا سبحانه في قوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا [الشورى:52] .

فالقرآن هو روح القلوب وحياتها، به تحيا، وبفقده تموت، كما قال تعالى: أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام:122] .

فعليكم بالقرآن يا أمة القرآن (( اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه ) ).

اقرؤوا القرآن وتدبروه، وأحلّوا حلاله، وحرموا حرامه، وعظموا حدوده، اقرؤوا القرآن فإن قراءة القرآن قربة من أعظم القرب، وعبادة من أجل العبادات، يعطي الله عليها من الأجر والثواب ما لا يعطي على غيرها، وقد بين النبي كثرة هذا الأجر بقوله: (( من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ) ).

اقرؤوا القرآن واجتهدوا في حفظه، فإن العبد يتبوأ منزله في الجنة على قدر ما في صدره من القرآن، كما قال النبي: (( يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها ) ).

وتعلّموا هذه الكلمات وادعوا بها دائما، عسى الله أن يذهب عنكم الهم والحزن، ويبدلكم مكانه فرحا وسرورا، كما وعدكم على لسان نبيه .

اللهم أكرمنا بالقرآن وعيا وعملا، وذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما ينفعنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت