"أي قوم لا يفقهون فيقولون: لماذا تقطعون جذوركم؟ ولماذا تبتون حبال وصلكم؟ ولماذا تهجرون دياركم؟"
ترى أن وترا نأينا عن بلادنا ونحن نرى أن الرغائب نطلب
وكنا وأصحابا لنا فارقوا الهدى أعانوا علينا بالسلاح وأجلبوا
نمت إليهم بأرحام إليهم قريبة ولا قرب بالأرحام إذ لا نقرب
فإن الذي يقرب هو الإيمان والدين.
ولننظر إلى رابطة أخرى تجذب الناس وتربطهم .. رابطة الأهل والولدان
رابطة القرابة والدم كيف تؤثر في الناس فتجعل حياتهم دائرة حولها ، فهذا يسعى لأجل أبنائه ، وذاك يتعلق بزوجه ، وهذا لا يكاد يفكر في شيء إلا في أهله لأجلهم يضحي بكل غالٍ ورخيص ، ولأجلهم يمكن أن يبيع مبدأه وأن يتنازل عن دينه فكيف كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟
ذكر أهل السير أن من أوائل من هاجر إلى المدينة قبل سنة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأسد رضي الله عنه ، وهاهي أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها تروي لنا حادثة هجرتها ؛ لتبين أن الارتباط بالله وبالدين أعظم من الزوج والأهل والأبناء والقرابات والدم والعصابات وكل شئ .. فها هي تخبرنا بذلك تقول:"لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحّل بعيراً له ، وحملني وحمل معي ابني سلمة ، ثم خرج يقود بعيره - امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمر أصحابه بالهجرة بعد أن بزغت أنوار الإسلام في قلوب الأنصار - فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتك هذه ؟ علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه . قالت وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ، رهط أبي سلمة فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا . قالت فتجاذبوا بني سلمة بينهم حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة .."
تفرقت الأسرة ، وتشتت الشمل ، وتقطعت الأواصر ، وذلك في الله سبيل عز وجل ، ولم يقعد أبو سلمة - رضي الله عنه - حنينه إلى أهله ، ولا ارتباطه بأبنائه ، ولا تقديره وتكريمه لزوجه وإن كان كل ذلك في قلبه ونفسه لكن في إيمانه بربه واعتصامه بدينه ما هو أعظم من هذا وأوثق ، فمضى مهاجرا دون أن تقعده زوجة ، ودون أن يجذبه أبناء ودون أن يحول بينه وبين المضي لأمر الله عز وجل أهل ولا ولدان ، ولا صحب ولا خلان ، بل هو أمر تعظيم الإيمان.
هكذا في صورة أخرى ختمتها أم سلمة بقولها:"ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني . قالت فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي ، حتى أمسى سنة أو قريبا منها حتى مر بي رجل من بني عمي ، أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني فقال لبني المغيرة ألا تخرجون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها قالت فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت . قالت ورد بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني . قالت فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة . قالت وما معي أحد من خلق الله . قالت فقلت: أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم علي زوجي ، حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أمية ؟ قالت فقلت: أريد زوجي بالمدينة . قال أوما معك أحد ؟ قالت فقلت: لا والله إلا الله وبني هذا . قال والله ما لك من مترك فأخذ بخطام البعير فانطلق معي يهوي بي ، فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط ، أرى أنه كان أكرم منه كان إذا بلغ المنزل أناخ بي ، ثم استأخر عني ، حتى إذا نزلت استأخر ببعيري ، فحط عنه ثم قيده في الشجرة ، ثم تنحى عني إلى شجرة فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه فرحله ثم استأخر عني ، وقال اركبي . فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقاده حتى ينزل بي . فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة ، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال زوجك في هذه القرية - وكان أبو سلمة بها نازلا - فادخليها على بركة الله ثم انصرف راجعا إلى مكة . قال فكانت تقول والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة ، وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة"، ذلك الذي مضى بأم سلمة لتلحق بزوجها بعد عام كامل كانت كل يوم تبكي فيه فرقة زوجها وعدم تمكنها من الهجرة.
ورابطة ثالثة عظيمة في نفوس الناس ، عظيم تأثيرها في واقع حياتهم: رابطة الدرهم والدينار
رابطة المال والثروات .. رابطة كسب الدنيا الذي أدارت العقول ، وسبت القلوب ، وخطفت الأبصار .. الرابطة التي أطلق النبي عليه الصلاة والسلام عليها وصف العبودية يوم قال: