( تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ) ، سماه عبداً لمّا كانت الدنيا أكبر همّه ، وأوكد شغله ، لأجلها يكدح ، وفيها يفكر وبها يتعلق ، ومنها ينهل ، فليس في قلبه ولا في نفسه ، ولا في فكره وخاطره شيء سواه .. لكن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم هاجروا ركلوا دنياهم بأقدامهم ، وداسوا على كل ذلك الثراء الذي كدحوا من أجله ، ونصبوا في تحصيله ، لكنه يوم كان في كفةٍ والارتباط بالله وبدين الله في كفة ..لم يكن عندهم أدنى تردد أن يضحوا بالدنيا كلها ، وبالمال - وإن عظم ، وبالثروة وإن تضاعفت ، لأن في نفوسهم ما هو أعظم من ذلك.
وقصة صهيب الرومي في هذا واضحة يوم عزم على الهجرة وجاء خارجا فلحقه أهل قريش قائلين له: جئتنا صعلوكا حقيراً ، ثم كثر مالك عندنا ، وبلغت الذي بلغت ، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك ! والله لا يكون ذلك ، قال: أرأيتم إن دللتكم على مالي أتتركونني وهجرتي؟ قالوا: نعم، فدلهم على ماله وثروته ..
خرج منها صفر اليدين ، خاوي الوفاض بعد أن كانت حصيلة أعوام طوال وعمل عظيم لكنه ذهب وقلبه مملوء بما هو أعظم من ابتلائه بالدنيا ، مملوء بإيمانه بالله وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما بلغ المدينة ولقي النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك قال له النبي عندما رآه ولقيه: ( ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى ) .
بيعة رابحة وصفقة عظيمة وتجارة رائجة ؛ ذلك أنه اشترى آخرته بدنياه ، واشترى دنياه بذهبه ودنانيره ، ذلك أنه آثر آخرته على دنياه ، وقدّم مرضاة الله - سبحانه وتعالى - على نوازع نفسه وميل قلبه، ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( ربح البيع أبا يحي ) .
ومن هنا قال بعض أهل التفسير أيضا: أن فيه وفي أمثاله نزل قول الله سبحانه وتعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } [ البقرة:207 ] .
وهكذا بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم الصفقة العظيمة: ( ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله هي الجنة ) .
من أرادها فليدفع ثمنها، من أعجب بالحسناء لم يغله المهر، لابد أن نفقه ذلك: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ } [ التوبة: من الآية 111] .
فهل أمة الإسلام اليوم تؤثر ربها ودينها على أرضها وديارها؟ وهل هي تقدّم أمر ربها وأمر مرضاته وطاعته على طاعة الأزواج والأبناء والبنات؟ وهل هي تتعلق بقلوبها وتهفو بنفوسها إلى صلتها بربها أعظم من خفق قلوبها وميل نفوسها إلى الدنيا وبهرجها وزينتها ؟
إن الهجرة تحديد للمسار الصحيح ورسم للارتباط اللازم في حياة الأمة ، إن أمة الإسلام لم تكن يوما عبدة ولا مسخرة ولا متعلقة بتراب من الأرض مهما غلا ثمنه ، ولا بأهل حتى عزّت مكانتهم ، ولا بال مهما كان النصب بتحصيله ؛ لأن ما هو أعظم من ذلك هو الذي ملأ قلوبهم ونفوسهم ، وشغل خواطرهم وأفكارهم ، وأضنى أجسادهم وجوارحهم .. ذلكم هو الارتباط بالله عز وجل.
وكذلك: الارتباط برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كيف نرى ملامحه في أحداث الهجرة ؟ كيف نؤسس الأساس الصحيح لصلتنا بسيدنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ؟ كيف تكون رابطتنا به ؟ هل هي مجرد أقوال نترنم بها ؟ هل هي مجرد ادعاءات نجادل عنها ؟ هل هي مجرد صور فارغة لا روح ولا حقيقة فيها ؟
لننظر إلى الدرس العملي العظيم الذي ساقه إلينا أفضل الصحابة - رضوان الله عليهم - أبو بكر الصديق - سيد الصحابة ومقدمهم رفيق المصطفى صلى الله عليه وسلم في الهجرة وثاني اثنين إذ هما في الغار وأحب الناس من الرجال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - ذلك الذي اختاره الله - جل وعلا - ليحظى بالشرف العظيم في المرافقة في الحدث العظيم ؛ لننظر إلى ما كان من أبي بكر ، ولنرى من سياق فعله في هذه الهجرة ما هو معالم كاملة لما ينبغي أن ترتبط به الأمة في مجموعها والمسلمون في آحادهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
أولا: السمع والطاعة
السمع والطاعة تمثلت في موقف أبي بكر عندما أمر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالهجرة كان أبو بكر يتوق إليها ويرغب فيها وجاء يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيؤخره ويمنعه: ( انتظر يا أبا بكر لعل الله يجد لك صاحبا ) .
وأبو بكر يسمع ويطيع ، لا يعارض ولا يجادل ولا يحرف ، ولا يؤخر ولا يسوف ، وإنما هو كمال الامتثال ؛ لأن هذا هو الذي أمر به كل مسلم اقتداء واتباع وسمع وطاعة: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [ آل عمران: من الآية 31 ] .
{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } [ الأحزاب: من الآية 36 ] .