فهرس الكتاب

الصفحة 5136 من 9994

والدرس قد جاء في حق أبي بكر رضي الله عنه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الحجرات:1] .

وليس هو فحسب ؛ وإنما الصحابة رضوان الله عليهم أمرهم أن يهاجروا وأن يسبقوه لم يقولوا: كيف نمضي وأنت هنا في مكة؟ لم يقولوا شيئا يعارضون به أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يعرفون أن أمره وحي يوحى وشرع يقر.

ثم الأمر الثاني: تعلق ومحبة

تعلق قلبي ومحبة نفسية ؛ لإنه لا يمكن تصور اتباع مجرد عن العواطف الإيمانية ، ولا عن المشاعر الإنسانية، هل رأيت أحداً يوافق أحداً ويتابعه وقلبه قد نبض ماء المحبة فيه ، ونفسه قد غاضت منها مياه المودة ؟

هل يتصور أن يكون اتباع مجرد ليس فيه روح ولا شعور؟

انظر إلى ما كان الصديق - رضي الله عنه - في حياته كلها لكننا نريد حدث الهجرة الذي نحن بصدده:

كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه ، حتى فطن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أبا بكر مالك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي ؟ فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ، ثم أذكر الرصد فأمشي بين يديك . فقال:يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني ؟ - أي لو كان هناك خطب سيحل بنا في هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر أ كنت تحب أن تصاب به دون أن أصاب به أنا ؟ - فقال على الفور قال: نعم والذي بعثك بالحق ما كانت لتكون من مُلمّة إلا أن تكون بي دونك . رواه البيهقي في الدلائل.

محبة من القلب تجعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعظم في النفس والقلب من النفس ذاتها: ( حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ) .. ( حتى أكون أحب إليه من أهله وولده ونفسه التي بين جنبيه ) .. (الآن يا عمر ) .

هذه هي المحبة الصادقة التي تتجسد خفقاً في القلب ونبضاً ، والذي تتجلى في تعلق وشوق وتعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست أيضا متجردة عن الاتباع والسمع والطاعة ؛ فإنها حينئذ إن كانت كذلك محبة كاذبة محبة رخيصة تكتفي بأقوال أو أشعار تكتفي بصور أو مظاهر ، لكنها لا تريد حمل العبء ولا القيام بالمهمة ولا اتباع الطريق الطويل المضني الشاق الذي سار فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنها محبة كاذبة فارغة إن لم تجتمع معها تلك المبادرة إلى الاستجابة والموافقة والمتابعة.

وثالثا: البذل والإنفاق

الذي كان من أبي بكر في هذه المسيرة العظيمة في هجرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لقد هيأ الراحلتين وعلفهما ، وهيأ زاد الرحلة كلها ، وأخذ معه خمسة آلاف أو ستة آلاف كانت هي مجموع ثروته كلها ، لم يبق لأهله من ورائه درهماً ولا ديناراً .. إنه ينفقها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة ؛ ليمضي الأمر وليتمم المسيرة وليحقق الغاية .

وهكذا ينبغي أن نكون نحن - أيضاً - في هذا الشأن وإن لم يكن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - بين أيدينا، أليس قد تجرأ من تجرأ على شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فذمّه وعابه ؟ فأين الذين تصدوا لذلك غيرة ؟ وأين الذين أنفقوا في حربه من أموالهم ؟ وأين الذين تصدوا له بكل قواهم ؟ كذلك ينبغي أن نكون.

ثم ننظر أيضا إلى معلم آخر: وهو: معلم التعظيم والخدمة

التي قام بها أبو بكر - رضي الله عنه - في صورة فريدة جميلة رائعة تجسّد لنا كيف كان ذلك الصحب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

يخبر في حادثة الهجرة فيقول: ثبتت لنا صخرة طويلة لها ظل قد نأت عنه الشمس فلجأنا إليه، قال: فسويت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مكاناً ثم فرشت عليه غطاء، وقلت: يا رسول الله اجلس فنم أنفض لك ما حولك- أي سأستجلي الخبر وأنظر ما حولك وأنت عليك بالراحة والنوم - قال: فذهبت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل يريد من الظل ما أردنا منه، فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قل: لفلان، فقلت: هل في غنمك لبن؟ قال: نعم، فاحتلبت منه، قال: ثم صببت عليه الماء البارد حتى أبرده لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جئت فإذا هو قد نام فكرهت أن أوقظه فوقفت على رأسه إلى أن قام فسقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وفي الرواية الأخرى: لما جاء يحلب حلب أبو بكر بنفسه، قال: فنفضت عن الضرع الغبار وأزلت عنه الشعر والقذى تطييبا للبن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ونحن ينبغي أن نخدم سنته وأن نخدم سيره وأن نفعل كل ما نستطيع في ذلك.

ونرى أيضا هذه المعالم وهي توالى ومن أعظمها: التضحية والفداء

التضحية والفداء الذي كان من أبي بكر رضي الله عنه في قوله للرسول:"إن قتلت أنا قتلت وحدي وإن قتلت يا رسول الله هلكت الأمة"، هكذا كانت نظرتهم وهكذا كانت مشاعرهم فدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وبماله وبراحته وبكل شيء كان منه ؛ ليرسم لنا أبو بكر هذا الارتباط الصادق الواعي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت