فهرس الكتاب

الصفحة 5137 من 9994

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه .

ومن دروس الهجرة أيضا في معاني الارتباط:

الارتباط بالمسلمين

ارتباط المسلم بإخوانه المسلمين ، ارتباط أهل كل بلد مسلم بإخوانهم - وإن نأت بهم الديار ، وإن اختلفت أو تباعدت منهم الأقطار ..

في هذه الهجرة كانت الصورة الفريدة الخالدة التي بينت أمر التفضيل والتقديم، هل هو للأرحام وللأنساب وللدم وللعرق؟ أم هو للدين ولله وللرسول ولأمة الإسلام ووحدتها؟

لقد رسم الصحابة في هجرتهم هذا المعنى ليس بمجرد الأقوال بل بالأفعال ؛ لأنهم آثروا أن يرتبطوا ارتباط الإيمان وأن لا يكون ارتباط الدم إذا كان عائقا أو معارضا عقبة في طرق هذا المسير الذي اختاروه وارتأوه.

وأمر الأخوة والمحبة وهو الأمر العظيم الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان فقال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .

والذي جعله الله - جل وعلا - قبل ذلك سمة عظيمة وجزءاً أصيلا ، ووجهاً آخر للإيمان في الآية التي فيها حصر وقصر: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الحجرات: من الآية 10] .

وتجلّت الأخوة في أجلى وأعظم صورها ، وبلغت أعلى مراتبها في المرتبة الثالثة وهي:

مرتبة الامتزاج والإيثار

امتزاج حتى يصبح المسلم كأخيه المسلم يصبح المسلم بمنزلة ومكانة ممتزجة نفسه بنفسي مختلطة مشاعره بمشاعري متأثرة اهتماماته باهتماماتي وبعد ذلك يكون الأمر الأعظم في أن أوثره على نفسي وأقدمه على مصلحتي: { وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [ الحشر:9 ] .

صورة للتربية الإيمانية ، والتطهير القلبي ، والتهذيب النفسي الذي جسدته الهجرة في علاقة الصحابة والمسلمين بعضهم ببعض: { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِم} .

وليست بينهم أنساب ولا أحساب ، وليست بينهم مصالح ولا منافع ، وليست بينهم سابق معرفة ولا صلة يحبونهم من أعماق قلوبهم: { وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا } ، أين مثل المهاجرون يوم قدموا؟ يوم قدموا إلى المدينة وتركوا ديارهم، أين ديارهم في المدينة؟ لقد كانت دور الأنصار دورا لهم ولقد كانت أراضي الأنصار أراضي لهم ، ولقد كانت زروعهم وثمارهم وأموالهم هي أموال إخوانهم، فهل هذا يتجلى في حياة الأمة اليوم؟ أم أننا نرى صورة"أنا والطوفان من بعدي"؟ أم أن ما نراه"الأنانية والذاتية"إما على مستوى الفرد ، أو على مستوى المجموعة والدولة والقطر ، فهؤلاء لهم كذا وهؤلاء لهم كذا ، وتفرقت الأمة شيعاً وأحزاباً حتى كأن كل فرد منها أمة وحده .

أين هذه الصورة العظيمة التي أخرج البخاري في وصفها الحديث العظيم في قصة عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وهو يقول- أي سعد بن الربيع الأنصاري - لعبد الرحمن بن عوف المهاجري: إني أكثر الأنصار مالا فانظر أي مالي أحب إليك أقسمه لك؟ وإن لي زوجتين فانظر أيهما تحب أطلقها فتعتد ثم تزوجها ؟! فيقول عبد الرحمن رضي الله عنه: أمسك عليك زوجك ومالك ودلني على السوق، وأخذ منه مالا ضارب به ثم إذا بعبد الرحمن بن عوف أثرى أثرياء صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أين القلوب المحبة والنفوس المتآخية والصفوف المتراصة المتلاحمة؟

درس الهجرة تعليم للأمة في روابطها كيف ينبغي أن تكون ارتباطها بالله والدين .. ارتباطها بالرسول العظيم .. ارتباط المسلمون بإخوانهم المسلمين ..

الارتباطات التي تحدد مسار الحياة ينبغي أن نراجعها في ظل واقع كثرت فيه كثير من المشكلات ، وأصبح أمر الدين عند كثير من الناس هيّناً ، وأصبح أمر الله - عز وجل - في واقع حياة كثير من الناس مؤخراً ، وأصبحت سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عندهم كأنما لا قيمة لها ، وأصبحت علائقهم بإخوانهم فيها ما فيها وليس ذلك تأييس .

وقد نرى ونحن نرى بحمد الله عز وجل كثيرا من بشائر الخير وكلما زادت المحن زادنا الله عز وجل من المنح ؛ حتى تتجدد هذه المعاني ولعلنا ونحن في حديثنا عن الهجرة نجددها في نفوسنا ونحييها في قلوبنا ونظهرها في واقعنا ونشرها في دعوتنا ونتواصى بها فيما بيننا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت