فهرس الكتاب

الصفحة 5132 من 9994

إن الغاية أعمق وإن الذي ينتاب الأمة يدل على هذا المعنى العظيم أنها تغير بحسب أمر الله وهدي رسوله عليه الصلاة والسلام ثم نرى أيضا صورة الوحدة العامة للأمة التي تصوم من شرق إلى غرب في وقت واحد ، وهيأة واحدة ، وسمة واحدة ، وأحكام واحدة ، ومتابعة واحدة لرسول الله عليه الصلاة والسلام .. هذه معان كثيرة وغيرها أيضا كثير .. لو تأملنا لفقهنا أن هذه الفرائض إنما جاءت ليكون لها في نفوس الأفراد وعلى مستوى الأمة ما يسوقها إلى الله عز وجل ، وما يلزمها نهجه ، وما يعصمها عن هذه الأهواء والشهوات والشبهات المحيطة بها ؛ لتكون حينئذ أقرب إلى الله ، ولتكون مستحقة لتنزل نصر الله عز وجل .

ونحن في هذه الأوقات العصيبة ونحن نرى استكبار الكفر وطغيانه ، ونحن نرى ما يصب على هذه الأمة من مؤامرات سياسية ، ومحاصرات اقتصادية ، واستعدادات عسكرية ، وغزو فكري ، وانحلال خلقي .. نرى كم نحن في حاجة إلى أن نصدق مع الله عز وجل ، وأن نصدق في تغيير واقعنا وتغيير أحوالنا لتتحقق السنة { إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [ الرعد: من الآية11] .. { ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ } [ لأنفال: من الآية53] .

ما أصاب هذا البلاء ، ولا حل هذا العناء ، ولا تعاظمت تلك الظلمات ، ولا تكاثرت تلك المشكلات إلا بهذه السنة يوم كان التغيير بعيداً عن منهج الله ، ويوم كان الإعراض عن هذا المنهج يأخذ أشواطاً وأنماطاً في صور الحكم الذي تحكم به مجتمعات إسلامية كثيرة ، وفي معالم الحياة العامة التي يجاهر فيها بالكفر أو يجاهر فيها بالمعاصي والكبائر ، وفي صور كثيرة تصل إلى الفرد نفسه في قوله ، بل وفي نيته فيما نراه من صور كثيرة تحتاج من في هذا الشهر ، ونحن نتفيأ ظلال الإيمان ، ونحن نستروح نسمات اليقين ، ونحن نتذوق لذة العبادات ، ونحن نقبل على الله عز وجل مستقيمين على أمره حذرين وجلين خائفين من كل ما نجرح به عبادتنا أو صومنا أو نخالف به أمر ربنا .. ونحن نستشعر أعظم استشعار مراقبة الله - جل وعلا - والحياء منه ، والرجاء في ثوابه والخوف من عقابه .. كل هذه المعاني ليست في فرد بل في مجموع الأمة وما يقام في هذه الفريضة وهذا الزمان من كثرة تلاوة وذكر وتضرع وصلاة ، ثم بعد ذلك كله نخرج صفر اليدين ، ونخرج بدون ثمرة ، ونخرج بكسب ينتهي مع آخر يوم أي تاجر هذا الذي يعظم ربحه وفي آخر يوم الموسم يكون هذا الربح قد ذهب بدداً ، وتفرق سداً !

أين هو يقول قد انتهى الموسم إن أكثر بل كل الناس إنما يغتنمون المواسم ؛ ليكون لهم من فيئها ومن عطائها ، ومن ربحها ما يدوم على مدى أيامه .. بل ربما يجعلون الربح كله في هذه المواسم لعله إذا عظم أن يكون مغرياً لهم عن غيرها من الأوقات .. فما بالنا نحن لا نتأمل في هذا دعوة خالصة لكي نتأمل في تغييرنا على مستوانا الفردي لما لا يكون بعد رمضان تغير ولو بنسبة فيتغير حال هذا ، وذاك وتتغير العلائق والروابط وتتغير هذه الأساليب العملية لم لا يكون إنفاق إلا في رمضان ، لم لا يكون تواصل إلا في رمضان ، لم لا تكون المساجد ملأى إلا في رمضان !

ثم انظر إلى آخر ما أنبه عليه: لِمَ يكون هذا التغيير مؤقتاً أو لم يكون ضعيفا ؛ لأن عوارضه ونواقضه كثيرة .. فنحن نرى أن كل ما ذكرناه بعض أحوال مجتمعاتنا يصد عنه ، ويمنع منه ، وينأى بنا عنه .. فنحن نرى كيف يكثر الصفق في الأسواق ، وكيف يكثر السهر بالليل في غير مرضاة الله ، وكيف يعظم نوم النائمين حتى إننا وكل مرة نقول ذلك نبدأ الشهر في الجمعة على وجه الخصوص والخطيب لا يرقى المنبر إلا والمسجد ممتلئ فإذا جاءت الجمعة الثانية - وهذا مصداقها في يومنا - هذا كانت الصفوف أقل ، فإذا جئت إلى آخر جمعة ؛ فإن الإمام يكبر للصلاة ومازال كثير من الناس لم يشهدوا الجمعة ، ولم يأتوا إليها .. أين هذا ؛ لأننا عكسنا وخالفنا في بعض صور حياتنا ما هو من هدي وما هو من سنة وما هو من فريضة وشريعة ربنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت