فهرس الكتاب

الصفحة 5131 من 9994

أمر المواساة وأمر التفقد والصلة وإحياء معاني الأخوة .. فهذا تغيير مهم الأمة اليوم في أمس الحاجة إليه وقد تقطعت الأواصر ، وجفت العلاقات ، وتنافرت القلوب ، واختلفت الآراء إلا من رحم الله .. أفلا نرى نحن اليوم كيف تمتد هذه الجسور ، وكيف تبنى هذه الصلات ، وكيف تتدفق تلك المشاعر .. وإذ بنا نشعر أننا أقرب ما نكون إلى أمة الإسلام الواحدة .. إلى أخوة الإسلام الجامعة .. إلى رابطة الإيمان الموثقة .. نحن نشعر بهذا اليوم في شهر رمضان مع فريضة الصيام أغنياء وفقراء ، أقوياء وضعفاء ، حكاما ومحكومين ، رعاة ورعية ، علماء وطلاب علم .. كل ذلك نرى فيه نوعا من التداخل والامتزاج والتقارب والتراحم .. ذلك هو المثل الذي ضربه النبي عليه الصلاة والسلام بصور شتى في أحاديث مختلفة: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) ، ( المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى ) وغير ذلك مما ضربه عليه الصلاة والسلام من أمثلة التقارب والتآلف والتلاحم والتراص ، الذي ينبغي أن يكون أعظم ما نحرص عليه في أوقاتنا هذه مع تربص أعدائنا وكيدهم ، وشدة بطشهم بدلا من أن نفترق:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا افترقن تكسرت آحادا

والعفة عن محارم الله

معلم أيضاً نلمحه ، وهو واضح في شأن التقوى وآثارها ، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ) ، وقال الماوردي رحمه الله:"إن دين المرء يفضي إلى الستر والعفاف ، ويؤدي إلى القناعة والكفاف".

هذه بعض المعالم على مستوانا الفردي .. فكيف بنا لا نحرص على أن يكون ذلك تغييراً حقيقياً لا مظهريا ، وأن يكون أدوم ما يكون لا أن يكون مؤقتا بهذا الزمان وهذه الأيام المعدودة .. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمنّ علينا بالإيمان الكامل ، واليقين الراسخ ، ومحبة الطاعات ، والبعد عن المنكرات .. إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه ، وإن هذه العبد وهذا الموسم منبع التقوى الحقيقي .. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [ البقرة:183] .

ونذكر مرة أخرى بقضية التغيير لمسناها في أعماق نفوسنا وقلوبنا ، ورأيناها في أعمال سلوكنا وجوارحنا ، وأكدناها في علاقاتنا وصلاتنا .. ولو مضينا لوجدنا أن جمهور الأمة أيضا - أو صورة الأمة أيضا - تتغير فهي:

تعلن أن ولاءها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم

تعلن أنها تغير واقعها استجابة لأمر الله .. أنها تغير صور وصيغ وأساليب حياتها وفق مراد الله عز وجل .. فنحن نرى كيف تغير الأمة كلها أوقات طعامها وشرابها ، ومنامها وأوقات أعمالها ، ودورة اقتصادها .. وكل شيء في حياتها ؛ لأنه قد جاء شهر الصوم ؛ لأنها جاءت هذه الفريضة .. وهذا يدلنا على قضية أساسية في كل هذه الفرائض التعبدية .. إنها إظهار شعائر التعبد لله عز وجل ، عندما تمضي جموع الأمة إلى البقاع المقدسة في حج أو عمرة تلبس لباساً ، وتتحرك حركة ، وتؤدي مناسك ليس فيها إلا ما جاء عن الله ، وما جاء عن رسوله عليه الصلاة والسلام ..

عندما يغدوا الناس ويغدون إلى بيوت الله ليؤدوا الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة .. إنه إعلان وإظهار أن هذه أمة قرآن وسنة أنها تتحرك تقدما وتأخراً ، وإقداماً وإحجاماً ، وفعلاً وتركاً في كل صور الحياة وفي كل ميادينها وفق أمر الله عز وجل: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [ الأنبياء:92 ] .

{ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ } [ المؤمنون: من الآية52] .

فإذا وحدة هذه الأمة على عبادة الله وتقواه إنما تتغير أحوالها بهذا كأنما هي تسير عن بعد لا يرى الناس شيئا فجأة إذا بالأمة في اليوم التالي - عندما جاء رمضان - يتغير فيها كل شيء .. أفترضى أن تكون في تغيير شكلي ظاهري ثم لا تغير كل واقعها وسائر أحوالها ؟!

وأهم شيء مواقفها ومواجهتها لظروفها لتجعلها وفق أمر الله عز وجل

إن الصوم ليست حقيقته في مجرد هذا الطعام والشراب الذي نغيره من وقت لوقت أو نؤجله من وقت لوقت ( رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا التعب والسهر ) .. ( من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت