فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
ثم انظر كذلك إلى معنى مهم آخر ذلك الصبر والمصابرة والمرابطة على طاعة الله ، وعن معصية الله عز وجل الصبر الذي نجزع في غير هذه الفريضة ، فلا نكاد نقوى على تحمل شيء مما يتعلق بالطاعات ، أو نبذل شيئا مما تحشرج به النفس ، أو يضيق به الصدر ، أو ربما لا نصبر عن تلك الشهوات والإغراءات .. نحن في هذا الشهر وهو شهر الصبر.. { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ الزمر: من الآية10] .
قال أهل التفسير:"الصابرون الصائمون"، إذا فهذا الصبر الذي نحن فيه هو صبر على طاعة الله ، وصبر عن محارم الله ، وصبر على بلاء الله ، وما تجري به أقدار الله .. إنه ثروة عظيمة ، وتغيير مهم .. إن كثيراً من أسباب ضعفنا هو قلة صبرنا ، وكثرة جزعنا .. نحن نريد مراتب عالية ، ونريد أعطيات ربانية ، ومنحاً إلهية دون أن يكون هناك شيء من جهد ولا عناء ولا مشقة ولا تحمل .. وذلك ما لا يتفق مع السنن العادية ؛ فضلا عن الربانية !
ولذلك نقول هذا الصبر الذي نتذرع به والذي نتدرع به كذلك في هذه الفريضة .. فنحن نرى نفوسنا به قوية ، ونرى أنها قد استقرت عليه وثبت فيها ، ينبغي أن يكون لنا منه أيضاً نصيب ؛ لننال كل ذلك الأجر العظيم الوارد في القرآن والسنة لهذا الصبر وثمراته: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } [ البقرة: 155, 156] .
و ( عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ) ، وهذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام في أمر يمر بنا كثيراً: ( واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيراً ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً ) رواه الإمام أحمد بسند صحيح.
حديث عظيم عندما نصبر الآن في هذه الميادين صبراً ، لا نقول: إنه ليس عظيماً لكنه صبر يعلّم ويدرّب لما هو أعظم منه ، وكم هي المآسي والمشكلات والمصائب التي تحيط بأمتنا .. فلا تكاد تلقى يقيناً راسخاً ، ولا صدراً واسعاً ، ولا ثقة بالله عظيمة ، بل كثيراً ما يكون جزع وخوف ، وهلع واضطراب وحيرة وشك .. بل - وعياذاً بالله - ربما يبلغ الارتداد ونحو ذلك .. أليس من حصافة المؤمن أن ينظر إلى هذا الصبر الذي أفاء الله عز وجل عليه في الصوم ، فيجعله غنيمة له ؛ لأن الصبر لله غناء ، والصبر بالله بقاء ، والصبر في الله بلاء ، والصبر مع الله وفاء ، والصبر عن الله جفاء ، والصبر على الطلب عنوان الظفر ، والصبر في المحن عنوان الفرج .. ( وما أعطي أحد عطاء خير من الصبر ) كما قال رسولنا صلى الله عليه وسلم .
ألا نرى صوراً كثيرة تتغير في واقعنا .. فإذا النفوس تسخوا فتمتد الأيدي بالبذل والإنفاق غير عابئة بشيء مما يلامس هذه النفوس من شح وبخل ! بل تنظر إلى أعظم الأجر وأجزل المثوبة التي تتأملها ، ولتنظر إلى رغبتها وأملها في الوقاية من عذاب الله ( فليتقين أحدكم النار ولو بشق تمرة ) .. (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل ) أليس هذا تغيراً واضحاً لا نراه في فرد بل نراه في مجموع الأمة ! أليست هذه هي أمة الإنفاق والتواصل َ أليست هي أمة التراحم والتكافل ! ما بالنا تغيب هذه الصور ، ثم تظهر كأنما هي موسم تجاري ، أو موسم إعلامي له مدة ثم تنتهي صلاحيته .. هل نحن لا نتحرك إلا بهذا فحسب ، وإن كانت حكمة الله ورحمته تحرك القلوب والنفوس والمشاعر بما يختص الله به عز وجل الأزمان زماناً دون زمان ، أو الأمكنة مكاناً دون مكان .. لكن ذلك ينبغي أن يبقى له أثره .
ونحن نشعر كذلك بأمر مهم وهو: