فهرس الكتاب

الصفحة 2694 من 9994

إن كلمة «البيئة» تحمل دلالة الزمان والمكان، ولعل الكلمة نفسها في الدلالة اللغوية تفيد هذا المفهوم وتضيف إليه معنى مجازياً آخر. يقول الراغب الأصفهاني في مفرداته: «حوط: الحائط الذي يحوط بالمكان. والإحاطة تقال على وجهين: أحدهما: في الأجسام... أو تستعمل في الحفظ...» ؛ فالبيئة هو مجال مكاني محدد يتراوح بين الامتداد والانحسار، لكننا لا نكتفي بهذا المفهوم اللغوي للمحيط فقط، وإنما نعني به كل ما يحيط بالإنسان زماناً ومكاناً، حاضراً ومستقبلاً، كما نستعير له ردائف رائجة في العصر الحديث، مثل الواقع والبيئة والمجال.

ولما اقتضت مشيئة الله أن يخلق الناس من أصل واحد فتختلف أجناسهم وتتباين لغاتهم، وتمتد في الأرض بلدانهم، ناسب أن يتعدد البيئة الذي يضمهم؛ فمنه البيئة المحلي، والقطري، والعالمي.

إن الوعي بهذه الأبعاد الثلاثة لدى الخطيب شيء لازم؛ لأن مسيرة الإنسان المستهدَف بالتغيير والإصلاح في محيط ما، يتعذر عزلها وتحديدها في إطار ضيق، ولذا نأمل أن تراوح رسالة الخطيب الدعوية بين هذه الأبعاد الثلاثة لتحقيق التكامل المطلوب؛ فمظاهر الخلل التي تعتري محيطاً محلياً ما، لا يمكن ـ إطلاقاً ـ عزلها عن العوامل القطرية أو العالمية، ولنضرب مثالاً على ذلك:

إن الخطيب صاحب الصلة الوثيقة بالبيئة المحلي حين يلحظ مظاهر الانحراف في جانب من جوانب الأسرة المسلمة (عقوق أو إهمال الأبناء أو انحلال المرأة أو غيرها) ـ وهو يسعى للتنبيه وإصلاح الخلل ـ لا يمكنه منهجياً أن يعالج هذا الخلل مجرداً من السياق العالمي العام الذي أفرز هذا الاختلال ويحصره في حيزه الأسري أو المجتمعي الضيق، وإنما ينبغي أن يربط النتائج بالأسباب الظاهرة التي قد تعود إلى الأسرة نفسها: جهلاً، أو تقصيراً، أو إهمالاً، دون أن يغفل العوامل الخارجية التي تتحمل نصيباً من المسؤولية في إحداث هذا الانحراف، وتسعى لحمايته من أجل الكيد للأسرة المسلمة من خلال وسائل الإعلام وبرامج التعليم ونمط الاقتصاد وغيرها من الوسائل. من هنا تتضح ملامح العلاقة الوطيدة بين أبعاد البيئة الثلاثة، والأمثلة كثيرة يضيق المقام باستعراضها.

إننا نقصد بالبيئة المحلي ذلك الفضاء الذي يُعتَبَر الخطيب جزءاً منه، قد يضيق وقد يتسع، قد يكون جهة بأقاليمها، أو مدينة بأحيائها، أو قرية بشعابها وأوديتها، وهو أيضاً محيط بشري يضم الفرد: ذكراً وأنثى، ويستوعب الجماعة: أُسَراً ومؤسسات وهيئات، هذا البيئة المحلي يصبح قطرياً وطنياً كلما تكاملت وتضامَّت هذه البيئةات المحلية، وكلما اتسعت المساحة الجغرافية كلما تمدد البيئة ليصبح عالمياً يضم العالم الإسلامي وغيره. ولعل البيئة الذي يهم الخطيب بشكل إجرائي هو محيطه المحلي الذي هو بمثابة المحرار الذي يقيس به الخطيب مستوى الصلاح والضلال في المجتمع، كما يقيس من خلاله درجات الالتزام الإسلامي الصحيح لدى الناس، وسيلته في ذلك الوعظ والإرشاد والخطابة؛ ويذلك تتأسس العلاقة بين الخطيب ومحيطه وفق نسق تبادلي أساسه التأثير والتأثر.

إن الخطيب الحاذق هو الذي يتعامل مع البيئة بنظرة شمولية متوازنة تتأسس على ما يلي:

1 ـ التشخيص الميداني:

إن تشخيص واقع البيئة، وتوصيف مظاهر الخلل فيه وتلمُّس درجات هذا الخلل كفيل بأن يذلل جملة من الصعوبات أمام الخطيب؛ ذلك أن الإدراك الواعي لمواطن الانحراف تفيد الخطيب في الإلمام بحقيقة التحديات والعقبات التي هو مدعو لتجاوزها: فهل البيئة يعاني خللاً في جانب العقيدة أو العبادة أو الأخلاق؟ وما حجم هذا الانحراف وما أسبابه؟ وما الوسائل التي ترسِّخ هذا الانحراف في البيئة؟ وهل هذه الوسائل موضوعية أم ذاتية في البيئة، أو خارجية؟

أسئلة تُعَدُّ الإجابة عنها عاملاً مهماً من عوامل التأثير الإيجابي، أي أن الخطيب مدعو لمراعاة ما يُعرف عند العلماء بفقه الأولويات أو بفقه مراتب الأعمال بتعبير بعض الدعاة المعاصرين. ويُعنى بفقه الأوليات «أن يضع الداعية ـ والخطيب ـ كل شيء في مرتبته بالعدل سواء كانت أحكاماً فقهية ـ إذا كان الخطيب فقيهاً ـ ثم يقدم الأوْلى فالأوْلى بناء على معايير شرعية صحيحة ينير سبيلها نور الوحي ونور العقل، فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المرجوح على الراجح، ولا المفضول على الفاضل أو الأفضل... بل يوضع كل شيء في موضعه بالقسطاس المستقيم بلا طغيان ولا إخسار...» في فقه الأولويات ص 9. وما يقال في المأمورات يقال في المنهيات، وإن لكل محيط أولوياته الآنية التي تتطلب من الخطيب أن يفقهها ويعمل على جعلها محاور للمعالجة في خطبه.

2 ـ تعرُّف الجمهور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت