إن الخطيب يجد نفسه أمام جمهور من الناس تختلف نوعياتهم، وتتعدد مشاربهم، وتتفاوت مسؤولياتهم ومؤهلاتهم؛ فمنهم الأمي والمتعلم والمثقف، ومنهم الرجال والنساء والشباب؛ ولذلك فإن دراسة البيئة تقتضي من الخطيب معرفة هذا الجمهور عن قرب، ومراعاة مستوياته المختلفة حتى يتيسر له أن يخاطب الناس على قدر عقولهم لتحقيق الهدف والقصد. إن معرفة الجمهور المستهدف عن قرب لا تتحقق بعفوية وتلقائية فحسب، وحتى إذا حصلت هذه العلاقة العفوية، فإنها لا تعتبر مقياساً في الحكم، وإنما نقصد المعرفة المبنية على أسس علمية وخلقية تسهل للخطيب السبيل لتعرف جمهوره حقيقة لا توهماً، وذلك ما لا يتأتى إلا إذا حرص الخطيب على بناء علاقة متميزة مع جمهوره، يطبعها الود والاحترام المتبادل، وحب الخير لهذا الجمهور، والإحساس بمعاناته، والسعي في مصالحه، وتذليل الصعاب أمامه، والصبر على أذاه، والتجاوز عن خطئه، والعفو عن زلاته، كل ذلك لا محالة، يكسب الخطيب ثقة في نفوس الناس، ويقوي آصرة التواصل والالتحام بينه وبين محيطه، وبذلك يكون لتوجيه الخطيب وقع في نفوس سامعيه، تظهر ثماره الإيمانية بمرور الزمن، ولنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة والمثل الطيب؛ فلقد كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ يسع الناس بخُلُقه قبل أن يسعهم بدعوته، وذلك هو المنهج الذي ينبغي للخطيب أن يسلكه في التعامل مع الناس بعيداً عن الانحياز أو الانعزال، ساعياً إلى الانفتاح على جميع مكونات البيئة.
3 ـ القدوة الحسنة:
وهي حجر الزاوية وقطب الرحى في مهام الخطيب، وإذا فُقِدَ هذا العامل ضاع الجهد وشحت الثمار وتعطل سبيل الدعوة إلى الله ـ عز وجل ـ لأن مصداقية الخطيب تظهر على محك الواقع والبيئة؛ فالخطبة قبل أن تعني الجمهور، فهي تعني الخطيب أولاً، ولذلك ينظر الناس ـ في العادة ـ إلى الخطيب باعتباره رمزاً للاستقامة وحسن الامتثال، وتلك هي الصورة التي يراها البيئة في الخطيب ويريد أن تبقى ملازمة له باعتباره المَعِين الذي ينهل منه الناس معرفتهم بالإسلام ويتعلمون منه أمور دينهم، ولذلك ما وجدنا أبلغ الخطباء ـ عليه السلام ـ يأمر بشيء إلا كان أسرع الناس إليه، ولا ينهى عن شيء إلا كان أبعد الناس عنه؛ وذلك هو القبس الذي ينير طريق الخطباء العاملين، الذين يسعون لتزكية القول بالعمل الصالح. إن مطلب القدوة الحسنة ليس شرطاً قاصراً على الخطيب وحده؛ لأنه يصيب ويخطئ كسائر الناس، وإنما تزداد الحاجة إلى هذا المطلب بالنسبة للخطيب، باعتبار موقع الإمامة الذي يدعوه إلى تحقيق الانسجام بين القول والفعل. إن عمل الخطيب وسلوكه يخلِّف أثراً في البيئة أكثر مما يتركه القول والوعظ والإرشاد؛ ذلك لأن أكثر الناس في البيئة يقتفي أثر الخطيب. وإذا كان الخطيب معنياً بتمثُّل القدوة الحسنة في نفسه، فهي في أهله وأسرته أشد إلحاحاً؛ فأسرة الخطيب هي محيطه الصغير داخل البيئة العام الذي يستهدفه الخطيب بالتربية والتوجيه.
4 ـ أهمية البيئة في اختيار الموضوع:
إن اختيار موضوع الخطبة له أهمية بالغة، فهو عامل حاسم إذا راعى الخطيب الأسس الشرعية، وفقه الواقع الذي أتينا على ذكر بعض تجلياته؛ فتشخيص البيئة ودراسة الواقع يتيح أمام الخطيب فرص الوقوف على أهم مظاهر الاختلال وعواملها، ومن ثَم يجعله يركز في خطبه على حفز البيئة على الانتباه إلى هذه المظاهر والعمل على تجاوز أسبابها، وسيلته في ذلك، الأسلوب المؤثر الذي يقع في النفس موقع الماء العذب من التربة الخصبة، معززاً خطبه بالحجج القاطعة والأدلة الناصعة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ومنهج الأنبياء عليهم السلام، وسيرة السلف الصالح، واستخلاص العبر من تجارب الأمم. وإن معرفة الخطيب بفقه الأولويات تجعله موفقاً في اختيار موضوع الخطبة من حيث التقديم والتأثير، حسب ما يناسب البيئة؛ فالخطيب بمثابة الطبيب الذي لا يصف العلاج حتى يتعرف مواطن الداء وأعراضه، ويتفهم نفسية المريض.
إن التركيز على عوامل الخلل في البيئة لا يعني خلوَّ هذا الأخير من مظاهر الصلاح إطلاقاً؛ ولذلك فإن منطق العدل والقسط يقتضي أن يثمِّن الخطيب عناصر الصلاح ـ وإن قلَّت ـ ويدفع الناس نحو تنميتها والالتزام بها.
وبهذه المقومات الضرورية يستطيع الخطيب أن يجد لخطابه آذاناً صاغية وقلوباً واعية تتفاعل مع رسالة الخطابة التي تستهدف الإنسان المسلم عقيدة وفكراً وخلقاً؛ والحمد لله رب العالمين