فهرس الكتاب

الصفحة 8853 من 9994

فعقدَ المجرمونَ العزمَ على مقاومةِ ذلكَ الناصحُ الأمين, ووضعُ العراقيلِ في طريقه, فأوذي عليه السلامُ واضطُهد, وعُذِّب وطُرد, واتُهِم بالوسوسةِ والجنون, والسحرِ والكِهانةِ, ورُمي بالكذبِ وقولِ الزور, ووصفوا القرآنَ بأنَّهُ أساطيرُ الأولين, وأنَّ محمداً تتنزلُ عليه الشياطين, حتى إذا بلغَ السيلُ الزُبى, واستعصتِ النفوسُ الخبيثةَ على الدعوة, وظهرت صلابةُ القلوبِ, وسفهُ الرجالِ, أذنَ اللهُ بالهجرةِ إلى المدينةِ الشريفة, فخرجَ صحابةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فراراً بدينهم، وخوفاً من فرعونَ وملئِه أن يفتنهم, خرجوا تاركينَ الأرضَ التي وُلدوا فيها, والبلدَ الذي نشأوا فيه, منخلعينَ من المالِ والأهلِ والولد, فما قيمةُ المالِ والأهلِ والولد حين تُهددُ العقيدةُ, وتصادرُ الحُرية !

وما كاد يمضي طويلَ وقتٍ , إلاَّ ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخرجُ في أثرِ أصحابه وهو يقولُ: واللهِ يا مكةَ إنَّكِ لخيرُ أرضِ الله, وأحبُ أرضِ اللهِ إلى الله ، ولولا أنِّي أُخرجتُ منكِ ما خرجت .

أيَّها المسلمون: إنَّ في الهجرةِ دروساً لا تُنسى, ومآثرَ لا تُطوى, ألا ما أحوجَنا إلى تذاكرِ تلك الدروس,

واستلهام هاتيكَ العبر, في وقتٍ كشَّر العدوُّ عن أنيابه , وأطلَّتِ الرويبضةُ برأسِها القبيح, ألا إنَّ من أعظمِ دروسِ الهجرةِ الشريفةِ، ما يجبُ أن نُدركَه جميعاً, أنَّ الغايةَ الكُبرى من الوجودِ الإنسانيِ بأسرهِ هو عمارةُ الأرضِ بالتوحيدِ والإيمان, وإقامةُ حكمُ اللهِ وشرعهِ في عظائمِ الأُمورِ فما دُونها, أليس اللهُ يقولُ: (( إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُد ُونِ ) ).

إذاً فمتى تعذَّرَ تحقيقُ هذه الغايةِ فوقَ أرضٍ ما, فلا بُدَّ من البحثِ عن غيرِها مهما كان الثمن, ومهما كانتِ التضحيات، أملاً في إيجادِ أرضيةٍ صالحةٍ للانطلاقةِ العُظمى, ونشرِ الإسلامِ في ربوعِ الأرض, وعرضِ العقيدةِ بصفائِها, ونقائِها على الناسِ, دون ضغطٍ أو إكراهٍ, وهكذا كان الأمرُ في مكة, فيومَ رفضَ أهلُها الإيمانَ والتوحيد وآثروا الكفرَ والتقليد, أصبحتْ مكةُ بلدَ كفرٍ ودارَ حربٍ, وحُرِّمَ البقاءُ فيها, وأصبحتْ مجاورتُها مع القدرةِ على مُغادرتِها واحدةً من كبائرِ الذنوب: (( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ) ).

وأمَّا الدرسُ الثاني من دُروس الهجرةِ: وهو ذو علاقةٍ وثيقةٍ بسابقهِ . ويوضحهُ ويجليهِ, أنَّهُ لا قيمةَ للأرضِ ولا للوطنِ حين تفسدُ الأرضُ ويكفرُ الوطن .

لقد هاجرَ النبيُ r وأصحابهُ الوطنَ الذي تربَّوا فيه, والأرضَ التي نشأوا فوقها, وباعوها بأرخصِ الأثمانِ, واشتروا أنفسَهم وأموالَهم بأنَّ لهم الجنَّة وفي هذا كلِّهِ صفعةٌ لكلِّ الذين يُمجدون الأرضَ والرمال, ويُعظمونَ الصخورَ والترابَ على حسابِ العقيدةِ, حتى إنّهم ليفضلونها على جنِّةِ الخُلدِ لو دخلوها .

فيقولُ شاعر هم:

وطني لو شُغلتُ بالخُلدِ عنهُ *** نازعتني إليهِ في الخلدِ نفسي

ويقول آخر:

وطني لو صوروهُ لي وثناً *** لهممتُ ألثُمَ ذلك الوثنا

ويقول وثنيٌ ثالث:

ويا وطني لقيتُكَ بعد يأسٍ *** كأنِّي قد لقيتُ بكَ الشبابا

أديرُ إليكَ قبلَ البيتِ وجهِي *** إذا فهتُ الشهادةَ والمتابا

وحتى الأطفالُ الصغارِ يُربونَهم على مِثلِ هذا الإلحاد, اسمع إليهم وهم يُرددون .

وهبتُك رُوحي وغالي دمي *** وأَسمى أمانيِّ أن تسلمي

وأُشقي حياتي لكي تنعمِي *** وقلبي يُلبيكِ قبلَ الفمِ

بلادي سلمتِ وروحي الفداء .

فماذا بقيَّ لله إذاً ؟؟ ماذا بقيَّ لله ؟!

إنَّ الولاءَ أيَّها المربُون يَجبُ أن يكونَ للهِ وحده, فالأرواحُ لا تُبذلُ إلا في سبيلهِ, والدماءُ لا تُراقُ إلا من أجلهِ, والجهادُ لا يكونُ إلا لإعلاءِ دينهِ, أما حُبُ الوطنِ, فإنَّما يَكونُ بمقدارِ حبِّ أهلهِ للإسلام, وتمسكِ أهلهِ بالإسلام. وبغيرِ الإسلام تصبحُ الأوطانُ مجردَ أتربةٍ وحجارة, لا وزنَ لها ولا قيمة: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيل ) ).

وأمَّا الدرسُ الثالثُ من دروسِ الهجرة: فبيانُهُ أنَّ هذا الدينِ لا يَقومُ إلا بالتضحيةِ والبذلِ والعطاء, إنَّهُ دينٌ لا يُعلِّقُ كبيرَ أملٍ على الكُسالى والخانعين, ولا يمنحُ شرفَ حملهِ ونُصرتهِ للمتراجعينَ والمتثاقلين, إنَّ الدينَ ليس قضيةُ بيعٍ وشراء, أو منةً وأذى, إنَّما هو جهدٌ وعناء, وبذلٌ وعطاء, وتضحيةٌ وفداء, ودموعٌ ودماء, وجراحٌ وأشلاء, قلِّبِ النظرَ أنَّى شئتَ في تاريخِ أسلافِك, أما خُلعتْ رؤوسٌ من أجلِ هذا الدين, أما بُقرتْ بطونٌ, أما قُطِّعتْ أطرافٌ, أما سُحلت عيونٌ, قلْ: بلى , بلى , بلى . ثم أجمعْ قُواكَ - يا رعاك الله - واحملْ القرآنَ في يدٍ, والسنةَ في الأخرى.

وهدِّم فراشكَ رمزَ الخمول * * * وقمْ للجهادِ ولا تقعدِ

وقم للنضالِ وخوضَ القتال * * * وشمِّر عن الساقِ والساعدِ

لقد مضتْ قوافلُ الشهداء وقوافلُ المجاهدين إلى ربها، بعضُها إثرَ بعض، فماذا صنعتْ أنتَ أيُّها الأخُ الحبيب, ماذا قدَّمت لدينِك وأُمتِك المُعذبة، ما مقدارُ الهمِّ الذي تحملهُ في قلبِك تِجاه قضايا الإصلاحِ والتغيير؟

كم شخصٍ أسديتَ لهُ نصيحة ؟ أو دفعتَ لهُ موعظة؟ ما جهودُكَ في بيتك تجاهَ أُمكَ وأبيك، وأُختكَ وأخيك ؟ هل غمرتهم بإحسانِك, وخفضتْ لهم جناحَ الذلِّ من الرحمة ؟

هل صنعتَ شيئاً ما تَقي به أهلَ بيتك ناراً وقودُها الناسُ والحجارة ؟!

ما دورُكَ تُجاهَ جيرانك ؟ هل وعظتَ واحداً منهم ؟ هل دفعتَ إليه كتاباً ينفعُهُ، أو شريطاً يسمعُه ؟ ألا كفى يرحمكَ الله تسويفاً وتثاقلاً ؟

وتبوأ رعاكَ اللهُ لنفسك مَقعداً في قوافلِ الدُعاةِ المخلصين، تُحشرُ مع الأنبياءِ والصديقين، والشهداءِ الصالحين .

باركَ اللهُ لي ولكم بالقرآنِ العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكر الحكيم. وأستغفرُ اللهَ لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأُسلمُ على الرحمةِ المُهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابهِ والتابعين,

أمَّا بعدُ:

أيَّها الموحدون: فدروسُ الهجرةِ كثيرة, وعبرُها متنوعة, والمقامُ مقامُ تذكيرٍ لا مقامُ بسطٍ وتفضيل, لكنَّنا نشيرُ أخيراً إلى أنَّ الهجرةَ ماضيةٌ إلى يومِ القيامة, كلَّما حِيلَ بين الناسِ وعبادةِ ربهم.

ثُمَّ تذكروا يرحمكمُ الله, قولَه عليه السلام « المهاجرُ من هَجَر ما نهى الله عنه » .

فما أحرانا اليومَ ونحنُ نستقبلُ عاماً جديداً، ما أحرانا إلى فتحِ صفحةٍ بيضاء, نصطلحُ فيه مع اللهِ سبحانه، الذي أمهلَنا كثيراً, وصبرَ علينا طويلاً, ومنحنَا الفرصةَ تلوَ الفرصة, (( وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) ) (الشعراء:135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت