فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الاتجاه الأول: التفريط والجفاء، ومن مظاهره: عدم العناية بها، ودعوى تقسيم الإسلام إلى لب وقشور، والانشغال بالقضايا المعاصرة فقط.
الاتجاه الثاني: الغلو، ومن مظاهره: تتبع الغرائب من السنن، والاهتمام بها على حساب الواجبات، والاهتمام بها على حساب القضايا المعاصرة، والإكثار من طرحها وإثارتها، والتكلف والتشدد في تطبيقها.
والواجب: العناية بالإسلام جملة وتفصيلاً، بالسنة والواجبات، مع الحرص على إحياء السنن المهجورة، كالتبكير للصلاة، والتبكير للجمعة، وقيام الليل، والجلوس في المسجد للذكر بعد الصبح، لما لذلك من أثر في إحياء القلوب، وإزالة قسوتها..
ولا بد من التحلي بالحكمة والتأني، وعدم التكلف، ولايسوغ الإكثار من طرحها وإثارتها على حساب ما هو أهم منها، بل يكفي تأصيلها.
نحو تربية متكاملة متوازنة:
إن التربية التي نحتاجها اليوم هي التي تأخذ الإسلام جملة وتفصيلاً، وتراعي شخصية الفرد بجميع جوانبها وأبعادها، مع التوازن في تربية الجوانب المختلفة: العقلية، والمعرفية، والوجدانية، كما توازن أيضاً في رعاية الجانب الواحد، كالجانب العقلي مثلاً، وهذا بالنسبة للفرد.
وعلى صعيد المجتمع: ينبغي ألا تكون التربية نخبوية تخص فئة من الناس دون غيرهم، وتهمل بقية الفئات، كما ينبغي أن تتكامل كل المؤسسات التربوية وتتظافر جهودها، وأن تتكامل الجهود داخل المؤسسة التربوية الواحدة، وكذلك أن تتكامل في استخدام الوسائل التربوية.
ومما يعين على ذلك: التفكير، والتخطيط، والترتيب للعملية التربوية، ووضع الأهداف الواضحة المنضبطة بالضوابط الشرعية مع المراجعة المستمرة؛ لتلافي الأخطاء، وألا تكون التربية مجرد استجابة لردود الأفعال.
ومما يجب التنبه له: أن التوازن والتكامل لا يعني أن يحمل كل شخص قدراً متساوياً من كل جانب؛ وذلك لاختلاف الأشخاص في القدرات والمواهب، ولحاجة الأمة إلى أبواب كثيرة تستدعي أن تُعنى بكل جانب فئةٌ من الفئات، كما لا يعني التوازن: ترك التخصص (14) .
وجدير بالذكر: أن فهم الوسطية تزول به إشكالات كثيرة، يكثر السؤال عنها ـ بسبب عدم فهم الوسطية ـ كالتوفيق بين: العلم، والعبادة، والدعوة، والجهاد... إلخ.
تلاميذ المدرسة النبوية:
وقد كان نتاج تربية النبي -صلى الله عليه وسلم- لصحابته أن عُرفوا باستجابتهم لأمر الله (تعالى) ، ومسارعتهم إلى الطاعة، حتى صار لهم في كل ميدان سهم، مع تحقيق التوازن في أنفسهم بحيث لا يُغلِّبون جانباً على حساب آخر، وتحقيقه أيضاً في المجتمع؛ حيث كان منهم متخصصون في كل ميدان هم أساتذته ومراجعه، ولم يكن ينكر بعضهم على بعض من ذلك شيئاً، بل كان من سجيتهم أن يعرف بعضهم حقوق بعض، رضي الله عنهم.
واليوم نقول ما قاله قديماً معاوية بن قرة (رحمه الله) : (من يدلني على رجل بكّاء بالليل، بسّام بالنهار؟) (15) .
وختاماً: عن الحسن قال: (السنة ـ والذي لا إله إلا هو ـ بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقي، الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم، فكذلك ـ إن شاء الله ـ فكونوا) (16) .
الهوامش:
1)انظر: الوسطية في ضوء القرآن الكريم، د. ناصر العمر.
2)أخرجه النسائي، وانظر صحيح سنن النسائي، ح/2863.
3)انظر: الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف، د. يوسف القرضاوي.
4)رواه البخاري، ح/702.
5)رواه البخاري، ح/39.
6)رواه مسلم، ح/1159.
7)انظر: آفات على الطريق، د. السيد محمد نوح، جـ 3، ص 193.
8)البخاري، 6/116.
9)صحيح مسلم، ح/1104.
10)مسلم، ح/2670.
11)مسلم، ح/2720.
12)المسند، 3/32، والترمذي، ح/2961.
13)انظر مقالاً بعنوان: تطبيق السنة بين الغلو والجفاء، لمحمد الدويش، مجلة البيان، ع/36، ص 36.
14)مقتبس من محاضرة بعنوان: التكامل والتوازن في التربية، للشيخ محمد الدويش، وانظر رسالة بعنوان: التنازع والتوازن في حياة المسلم، لمحمد حسن بن عقيل موسى، فقد بيّن جوانب التوازن المطلوبة في نوازع العلم والعبادة والدعوة والجهاد وطلب المال، وأسس ذلك التوازن.
15)سير أعلام النبلاء، جـ5، ص 154.
16)إغاثة اللهفان، 1/70.