فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينكر كل بادرة غلو، وينهى عن ذلك أشد النهي، كما في قصة النفر الثلاثة، الذين عزموا على الصيام، والقيام، وترك النساء (8) ، وأخبر أيضاً بهلكة المتنطعين (9) ، وأراد أن ينكل بمن واصلوا معه في الصيام (10) ، وقد نهاهم عنه، ليرتدعوا.. وما ذاك إلا لأن الغلو شطط وانحراف وبُعْدٌ عن الصراط المستقيم، ونافذة على الانحراف والضلال.
ثانياً: التفريط والجفاء:
التفريط هو: التضييع، والتقصير، والترك، ومنشؤه ـ غالباً ـ: التساهل والتهاون.
والجفاء هو: الترك، والبعد، ويستعمل ـ غالباً ـ فيما فيه قصد الأمر، من الترك والبعد وسوء الخلق.
ومن مظاهر التفريط:
تأخير الصلاة عن وقتها، وترك إنكار المنكرات، وإهمال تربية الأولاد، وترك الأخذ بالأسباب، والغلظة في المعاملة، والسلبية تجاه الاهتمام بواقع المسلمين.
ويبدو خطر التفريط واضحاً في كونه عين العجز والكسل، ولا يتحقق به أمر الله (تعالى) ـ كما أراده (سبحانه) ـ، وأنه يقطع الإنسان عن كثير من الأجور والدرجات، فقد يخرجه من دائرة أولياء الله الصالحين، وقد يعرضه للوعيد والعقوبة، وقد يجره إلى الانحراف (والعياذ بالله) .
وسببه إما أن يكون: الجهل، أو الكسل.
فأما الكسل: فما أكثر ما استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- من العجز والكسل؛ الكسل الناتج من إيثار العاجلة، ونسيان الآخرة، وهو نوع من الظلم.
وأما الجهل: فداء عضال، وأَقْبِحْ باتصاف الداعية به، خاصة إذا كان الإخلال بالقدر الواجب من العلم، المتعين أو الكفائي، أو حتى القدر المستحب.
وقد يكون السبب في التفريط: الاستجابة لضغط الواقع، أو الهروب من تهمة التطرف والغلو.. ونحو ذلك مما يكون ـ في الغالب ـ إفرازاً لانحراف في المنهج، ومظهراً من مظاهر الانحراف في الفهم.
ثالثاً: الصراط المستقيم:
وهذا المعلم لا يمكن فهم الوسطية دون فهمه، ومعناه: الطريق الواضح الهادي، وهو دين الله الذي لا اعوجاج فيه، وهو كتاب الله، أو الإسلام، أو الرسول، أو السنة والجماعة، وحاصل كل ذلك: المتابعة لله ورسوله.
ومعنى الصراط المستقيم يدل على الوسطية في مفهومها الشرعي الاصطلاحي، فمثلاً في سورة الفاتحة جعله الله طريق الخيار الذين أنعم عليهم، وهو بين طريقي المغضوب عليهم والضالين، وفي سورة البقرة ذكره ثم ربطه بالوسطية، فقال: (( يَهْدِي مَن يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(142) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )) [البقرة: 142، 143] ، فالصراط المستقيم يمثل أعلى درجات الوسطية.
والقرآن الكريم، وكذا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يرشدان إلى التوسط، ويذمان التقصير والغلو، وسورة الفاتحة قد وضعت القاعدة والمنطلق، ورسمت المنهج، وحددت معالمه، ثم جاءت الآيات مقررة، قال الله (تعالى) : (( إنَّ اللَّهَ يَاًمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ ) ) [النحل: 90] ، وقال (تعالى) : (( قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ) ) [الأعراف: 29] ، والعدل في كل الأمور: لزوم الحد فيها، وألا يغلو ويتجاوز الحد، كما لا يقصر ويدع بعض الحق.
وانظر إلى الوسطية واضحة في مثل قوله (تعالى) : (( وَالَّذِينَ إذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ) ) [الفرقان: 67] ، وفي قوله (تعالى) : (( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) ) [القصص: 77] ، وقوله (تعالى) : (( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ) ) [البقرة: 201] ، وفي دعائه: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي...) (11) .
وكذا: فإن الوسطية سمة ثابتة بارزة في كل باب من أبواب الإسلام: في الاعتقاد، والتشريع، والتكليف، والعبادة، والشهادة والحكم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والأخلاق والمعاملة، وكسب المال وإنفاقه، ومطالب النفس وشهواتها..
ملامح الوسطية وسماتها وضوابطها:
وتحديد ذلك ضروري؛ لتتميز الوسطية عن غيرها، ولئلا تكون مجالاً لأصحاب الأهواء والشهوات، ومن تلك الملامح:
1-الخيرية: وهي تحقيق الإيمان الشامل، يحوطه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
2-الاستقامة: وهي لزوم المنهج المستقيم بلا انحراف، فالوسطية لا تعني التنازل أو التميع أبداً.
3-البينية: وذلك واضح في كل أبواب الدين، فالصراط المستقيم بين صراطي المغضوب عليهم والضالين.
4-اليسر ورفع الحرج: وهي سمة لازمة للوسطية.
5-العدل والحكمة: وقد فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الوسط بالعدل (12) ، وذلك هو معنى الخيار؛ وذلك لأن خيار الناس: عدولهم.
والوسطية أمر نسبي يخضع تحديده لعدة عوامل لا بد من مراعاتها، ولا يتحقق ذلك إلا بإتقان الحكمة.
مثال تطبيقي للوسطية: فعل السنن:
تتمثل مظاهر البعد عن السنة في اتجاهين (13) :