فهرس الكتاب

الصفحة 8848 من 9994

يقول الله عز وجل: (( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) ) (القصص:4) .

لقد علا في الأرض وطغى وتجبر, وبلغَ من علوه وطغيانِه إلى حد الإسفافِ بعقولِ دهماءِ الناس. فإذا به يخاطبُهم قائلاً: (( مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ) ) (القصص: من الآية38) .

وأذاقَ أهلَها ألوناً من العذابِ وصنوفاً من الاضطهاد، فجعلهم شيعاً وأحزابا وطوائف، كلُّّ طائفةٍ مسخرةٌ لقضاءِ حاجةٍ من حاجته، وشأناً من شؤونه,وبلغَ به الضيم، ووصلَ به الظلمُ إلى أن يقتلَ الأطفالَ الأبرياء، ويستحي النساء, يفعلُ ذلك كلَه خوفاً من الغلامِ المنتظر, الذي سيكونُ على يديه تقويضُ ملكه، وإزالةُ عرشه، وإسقاطُ دولته.

وبينما هو كذلك يقتل أبناءَهم, ويستحي نساءَهم، إذا به وبجنده يشعرونَ بتناقصِ تلك الطائفةِ التي سُخرتْ لقضاءِ حوائِجِهِم، وخدمةِ مصالحهم فاتخذوا قراراً يوافقُ مصالحهَم الشخصية, وأطماعهَم التعسفية، بأن يقتلَ الصغارُ عاماً دون عام ، من أجلِ الإبقاءِ عليهم، وعدم قطعِ دابر هم. فيا لله العجب ! هكذا صنع الفراعنةُ القرار, ظناً منهم أنهم يحسنون صنعا، وأنهم يختارون ما يشاءون ، ويفعلون لغيرهم ما يريدون، ويظنون أنهم على هذا وذاك قادرون, لقد بلغَ بهم الغرورُ مبلغه، ووصلَ الكبرياءُ ذروته، متناسينَ تماماً إرادةَ الله جل جلاله, ومشيئتُه النافذة، التي أفصح عنها في كتابه فقال: (( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) ) (القصص:5-6) .

ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، فهؤلاء المستضعفونَ الذين يتصرفُ فيهم الطاغيةُ كما يريد، ويسومُهم سوءَ العذاب والنكال، وهو مع ذلك يحذرُهم, ويخافُهم على نفسِه وملكه، هؤلاء المستضعفون يريدُ الله تعالى أن يمن عليهِم بهباتِه من غير تحديد, فهل يمكن لطاغوتٍ أن يقفَ أمامَ هذه الإرادة، وتلك المشيئة ؟, إن الله أراد أن يجعلَ هؤلاء أئمةً بعد أن كانوا عبيدا ويجعلَهم سادة بعد أن كانوا أرقاءَ، فهو سبحانه يريدُ أن يقلبَ الضعيف قوياً, والمقهور قاهراً، والذليل عزيزا, ويجعلهم الوراثين لهذه الأرضِ المباركة، وأن يحققَ ما يحذرهُ فرعونُ وهامانُ وجنودهُما، وما يتخذون الحيطةَ دونه، وهم لا يشعرون, ثم يا ترى ما تلك المفاجأةَ العظيمة؟ لقد ولد موسى عليه السلام في ظلِ تلكَ الأوضاعِ القاسية، ولد والخطرُ مُحدِقُ به، والموتُ يتربص به، والشفرةُ مشرعةٌ على عنقِه، تهم أن تحتز رأسه, وهاهي أمهُ ذي حائرةٌ به، خائفةٌ عليه، تخشى أن يصلَ بنأه إلى سفاكي الدماء, وترتجف أن تتناولَ عنقَه السكين، هاهي ذي بطفلِها الصغيرِ في قَلْب المهلكة، عاجزةٌ عن حمايتِه, عاجزةٌ عن إخفائِه، هاهي ذي وحدَها ضعيفةٌ عاجزةٌ مسكينة, هنا تتدخلُ رحمةُ الله: (( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) ) (القصص:7) .

يا أمَّ موسى أرضعيه,فإذا خِفْتِ عليه وهو في حُضُنِك, وهو في رَعايتُك، إذا خفتِ عليه: ] فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ , فيا لله كيف يمكنُ لقلبٍ يكادُ يتفطرُ خوفاً وإشفاقاً على فلذةِ كبدِها, وهو بين أحضانهِا, وفي فمهِ ثديُها, أن تلقيه في اليم ألقيه في اليم: (( وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي ) )إن عَينَ اللهِ تعالى ترعاه, إنه في رعايةٍ لا أمن إلا في جوارها، إنها رعايةُ الله التي لا خوفَ معها، رعايةُ الله التي تجعل النار برداً وسلاماً، وتجعل البحر ملجأً ومناماً, إنها الرعايةُ التي لا يجرؤ فرعونُ الطاغيةُ الجبار ولا جبابرةُ الأرضِ جميعا أن يدنوا من حماها الآمن العزيز الجناب: (( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ) ), إذن فلا خوفَ على حياته، ولا حزنَ على بُعده، وماذا بعد؟: (( وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) ), وتلك بشارة عظمى, ونعمة كبرى.

ولكن يا ترى ما الذي جرى بعد ذلك ؟ ما الذي حدث له ؟: (( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ) ) (القصص: من الآية8) ,

أهذا هو الأمن ؟ أهذا هو الوعد؟ أهذه هي البشارة ؟ وهل كانتْ المسكينةُ تخشى عليه إلا من آلِ فرعون ؟ وهل كانتْ ترتجف إلا أن يُنكشفَ أمرُه لآلِ فرعون؟ وهل كانتْ تخافُ إلا أن يقع في أيدي آلِ فرعون ؟

نعم , ولكنها قدرةُ اللهِ تعالى, تتحدى فرعونَ وهامانَ وجنودَهما, الذين وصل بهم الظلم منتهاه, أن يقتلوا الأبناء عاماً دون عام، خوفاً على ملكهِم وعرشهِم وذواتهم. ويبثون العيون على قوم موسى, كي لا يُفلت منهم طفلٌ ذكر, فإذا بالطفل ذاتهُ, الطفلُ الذي يكون على يديهِ زوالُ ملكِ فرعون ونهاية سلطانِه, يأتى إليهم بلا بحثٍ ولا عناء مجرداً من كل قوة، خالياً من كل حيلةٍ، عاجزاً عن أن يدافعَ عن نفسه, أو حتى يستنجد بغيره .

(( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ) ) (القصص: من الآية8) . ليكون لهم عدواً يتحداهم، وحزناً يُدخل الهم على قلوبهم, ولكن كيف ذلك؟وهو مجردٌ من كل قوة، مجردٌ من كلِ حيلة, استمع إلى قولِ الله جل جلاله: (( وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) ) (القصص:9) .

لقد حمى الله عز وجل موسى من كيدِ فرعون, بأن سخرَ اللهُ لموسى قلبَ زوجةِ فرعونَ التي أحبتهُ، وعطَفتْ عليه، لم تحميهِ لا بالسلاحِ, ولا بالجاه ولا بالمالِ، حمتُه بالحبِ الحاني في قلبِ امرأةٍ، وتحدتْ به قَسوةَ فرعونَ وغلظتَهُ, وحرصَهُ وحذرَه, وهانَ فرعونُ على الله أن يحميَ منه الطفلَ الضعيف, بغير هذا الستار الرقيق .

هذا شأن موسى, فما بالُ أمهِ الوالهة، وقلبهُا الملهوف,: (( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً ) ) (القصص: من الآية10) لا عقلَ فيه, ولا وعي ولا قدرةَ على نظرٍ, أو تصريف ,: (( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِه ) ) (القصص: من الآية10) فتذيعَ أمرها في الناس: (( لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (القصص: من الآية10) . ولم تسكتْ أمَّ موسى عن البحث, والمحاولة‍, (( وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ) ) (القصص: من الآية11) اتبعي أثره، واعرفي خبره: (( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) ) (القصص:11-12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت