فهرس الكتاب

الصفحة 3217 من 9994

فكم تجد من تغلل الحب في قلبه ، عنده من الصبر والثبات على أمره على ما أحب من دينه وإيمانه ، ما لا يمكن أن يتنازل عنه ، أو أن ينكص على عقبيه ، أو أن يرتدّ على أدباره بعد أن ذاق محبة الإيمان 0 وعرف حلاوة الإسلام ، وارتبط بإخوة الإيمان ، ولذلك كان بلال وكان خباب ، وكان أولئك القوم يلقون ما يلقون ، لا يصدهم ذلك عن دين الله ، ولو لم يكن لهم ذلك التعلق القلبي لما ثبتوا ، ولما كانت لهم هذه الصور من الصبر الجميل ، ثبتهم الله - عز وجل - به ، لأن القناعة الفكرية لا تكفي ، قد تكون مقتنع بأمر ما فكرياً ، لكنك إذا ضُيقت أو اضطهدت في سبيله من الممكن أن تغير فكرتك ، أو أن تتنازل عنها ، أو أن تساوم فيها ، لكن إذا خلصت الفكرة من العقل إلى القلب ، وامتزجت بالمشاعر ؛ فإنه من الصعب أن يكون هناك تنازل عنها ، بل صبر وثبات عليها .

5-الارتباط والتعلق:

وهذا من أظهر أثار العواطف ؛ فإنك إن أحببت الله ارتبطت به ، وتعلقت به وكذا في شأن النبي - عليه الصلاة والسلام - ، وإخوانك المؤمنين ، وشعائر هذا الدين ، والارتباط والتعلق أمره بيّن لا يخفى على أحد كما قال المحبون من قبل:

أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

ولذلك وقفوا على الأطلال ، ووصفوا الخيام والجمال ، كل ذلك من أثر ذلك التعلق والارتباط ، وكما قال قائلهم أيضاً: ولو قيل لمجنون ليلى: تريد ليلى أم الدنيا وما في طواياها ؟ لقال غبار من تراب نعالها أحب لنفسي ، وأشفى لبلواها .

أي كل شيء يذكّر بذلك المحبوب ويصل به ، يكون أنس النفس ، وقرة العين ، وتأمل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة ) ؛ فإن الأول هو الفطرة البشرية التي جاء بها هذا الدين ، فليس هناك ترهل ولا تبتل ولا انقطاع عن ملذات الحياة العادية البشرية ، والثاني هو أن هناك محبة أسمى ، وهي التي يتحقق فيها الارتباط بالله - سبحانه وتعالى - فلذلك كان يقول - عليه الصلاة والسلام -: ( أرحنا بها يا بلال ) ، العاطفة المتدفقة تريد كل شي يذكرها بالمحبوب ، وكل أمر يربطها به ، وكل سبب يعلقها به، ويجعلها لا تنساه مطلقاً ، ولذلك كان للذكر أثره في طمأنينة القلب ، وحلاوته في النفس ، لذلك من أحب شيء أكثر ترداده وذكره ، ولم ينسه مطلقاً ، حتى إذا رأى الرؤيا في منامه ، فإذا به يراها متعلقة بهذا الأمر إذا أصابه مرض ، وصار يهذي بما لا يعرف ، إذا بهذيانه لا يذكر المحب ، أو الحبيب الذي لا ينساه مطلقاً ، ولذلك تجد هذه الآثار واضحة قوية ، ولها كما قلت أمثلة في جانب الخير ، وفي جانب الشهوة العادية أو المتجاوزة للحد ، وإن كثير من العلماء من أمثال ابن القيم وغيره جعلوا بعض أبيات المحبة التي ذكرها العشاق في المعاني الإيمانية في الصلة بين العبد وربه ، واستشهدوا بهذه الأبيات في معاني المحبة الإيمانية ، بفروعها المختلفة ، ولذلك كل هذه الآثار لها شواهدها في حياة الصحابة - رضوان الله عليهم - وفي حياة صدر الأمة عندما كان عندهم بذل وتضحية في سبيل هذا الدين:

كنا نقدم للسيوف صدورنا لم نخش يوماً غاشماً جباراً

وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها أزهاراً

لم نخش طاغوتا يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا

ندعو جهاراً لا إله سوى الذي صنع الوجود وقدر الأقدارا

ورؤوسنا يا ربِ فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنما وجوارا

كان هذا الحب الإيماني نصرةً وتضحية وبذلاً لهذا الدين ، وكان هناك التعلق أيضاً كما جاء في الحديث عن ثوبان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه مرة ، وقد تغير فقال له:ما بك يا ثوبان ؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض ، ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدةً ، حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة فأخاف ألا أراك لأنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة فأنا في منزلة أدنى من منزلتك ، وإن لم أدخل الجنة لن أراك أبداً ، فنزل قوله - جلا وعلا - { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفقاً } ، ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم: ( المرء مع من أحب ) ، هذا كله دليل وشاهد على صدق تلك المحبة الإيمانية، كما وقع من خبيب بن عدي ويذكر في بعض الروايات أنه عن زيد بن الدثنة - رضي الله عنهما - لما جئ به ليضرب عنقه ويصلب قيل له: أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ قال: والله ما أحب أن محمد الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة ، وأنا جالس في أهلي . فقال أبو سفيان - وكان قبل ذلك على الكفر - ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت