فهرس الكتاب

الصفحة 3218 من 9994

هذه هي العاطفة الصادقة إذا سارت في المسارب الإيمانية ، والمناهج الإسلامية ، وعندما نعرف هذه الآثار ينبغي أن ندرك أن العاطفة ينبغي أن يكون لها توجه أو تأثر بأمرين اثنين: العقل ومن قبله الشرع ، فلابد أن نعرف أمر العاطفة أو العواطف بين الشرع والعقل إذاً:

أولاً: العاطفة لابد أن تكون مضبوطة بضابط الشرع فلا حب لمجرد الشكل والمظهر واللون ، أو لمجرد الإلفة والميل ، بل بموجب الأخوة الإيمانية وما سلف أن ذكرناه .

والعقل كذلك قد يحتاج أن يحكم العاطفة إذ العقل هو الذي يتلق الشرع ، ويقبل به ويسلم له ويعمل النظر في مراميه ومصالحه ومقاصده ، ويكون أرجى على تقدير المصلحة من العاطفة ، ولذلك لابد أن تحكم نزوات العواطف بنظرات العقول ، والعقل وحده لا يكون كافياً أيضاً في تيسير الأمور ،

وإذا أردنا أن نمثل فإننا نقول للعقل القيادة، وللعاطفة الحيوية ؛ فإنك لو تصورت قافلة فلابد أن يكون العقل هو قائدها ، ولكن لابد لها من حاد يحدو بها في الطريق ، ليزيل عنها أثر عناء السفر وليهيج عاطفتها على المسير

إذا نحن أدلجنا وكنت أمامنا كفى بالمطايا لذكراك حاديا

ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نعلم يجعل أنجشة يحدو بالإبل ، فإذا بها تتأثر بذلك الصوت الشجي ، وتسرع وتتحرك فيقول النبي - عليه الصلاة والسلام - عندما خاف من تأثير ذلك الصوت: ( رفقاً بالقوارير يا أنجشة ) .

هذا كله يعطينا أن الأمر متوازن فالعقل المتجرد عن العاطفة نتيجته قسوة وغلظة وعاطفة منفلتة عن ضابط العقل خفة وطيش كأنما هو طفل صغير تعطيه الأعطية فيضحك ، تمنعه عنها فيغضب ، وقد تكون الأعطية فيها حتفه، وقد يكون منعها فيه مصلحته ونفعه ،ولكنه لا يميز بعقله ولذلك يغلب على الطفل أنه مندفع مع عاطفته ببراءة كاملة ، وتغلب المرأة عاطفتها أيضاً في مواطن كثيرة فلا يكون عقلها أحكم لتلك العاطفة ولا أضبط لها ولذلك في مسألة هذه العاطفة والعقل يقول ابن القيم - رحمة الله عليه -:"إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له"، إذاً فهذا الجسم دولة ، وهناك حكومة للدولة ، وهناك انقلاب يقع بين العاطفة والعقل ، فيقول:"إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له"، أي عاد مستقل عن تأثير الهوى والعاطفة أما إذا خضع العقل لسلطان الهوى والعاطفة ؛ فإنه يعود أسيراً لها ، وتكون هي موجهة ومحكمة في مساره ، ولذلك تجد من يسمونه العاطفي ، يقولون عنه: إنسان عاطفي أي أنه ليس عنده إلا هذا القلب يخفق محبةً وميلاً وليناً وإلى آخره ، ليس عنده تلك القوة العقلية التي يبرز أثرها حتى تضبط مثل هذه الأمور.

علاقة العاطفة بالممارسات الدعوية

وأنتقل أيضاً إلى نقطة مهمة متعلقة بخصائص العواطف ، وهي قضية نمهد فيها لما يأتي من أمر الصلة المباشرة في صورة عملية بين العاطفة والممارسات الدعوية.

أول هذه الخصائص أن العاطفة موجهة ، بمعنى أنك لا تستطيع أن تقول إني أحب فلان أو أحب شيئاً ولكنني لن أتأثر ، أو لن تؤثر فيّ هذه العاطفة . طبيعة العاطفة أنها توجه ، أنها تدفع ، أنها تمنع ، فليست هي قاصرة لمجرد الصورة الانطباعية ، بل هي ذات تأثير موجه ومحرك.

الأمر الثاني وهو من أخطر هذه الخصائص ، أن العاطفة متأثرة تتأثر بالظروف بالزمان ، بالمكان ، بالأحوال ، بحال الشخص ، بحال الآخرين من حوله ، فقد ترى إنساناً متعلقاً بآخر متصلاً به ، محباً له ، ثم لا تلبث بعد حادثة أو ظرف ما ينقلب رأساً على عقب ، وينقلب الاتصال إلى انقطاع ، والمحبة إلى بغضاء ، وترى صورةً تتعجب وتقول متحققاً ، وتستذكر محققاً قول النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ) ، ولذلك من الصعب ضبط هذه العواطف ، وتربيتها ليست قضيةً سهلة ، لأنها متقلبة متأثرة.

والأمر الثالث الناتج عن هذا التأثر التقلب أنك لا تستطيع أن تثق بعاطفةً بمجرد كونها عاطفة ، ما لم تضبط بالشرع والعقل لا يمكن أن تثق بعاطفة ، لأن العواطف بحكم هذه المؤثرات تتقلب ، فلا يكون للعاطفة استقرار ودوام ، إلا إذا بنيت على أساس عقلي ، واستندت إلى أحكام ونصوص وأدلة شرعية ، العاطفة التي لا تستند إلى شرع ، ولا تكون منضبطة بضابط عقل مستند إلى شرع ،لا يمكن أن تكون ثابتة ، بل طبيعتها التقلّب الذي لا يمكن معه أن تطمئن ، أو أن تتصل ، أو أن يكون عندك تلك العلاقات التي يبنى عليها كثير من الأعمال.

وأخيراً العاطفة مجهولة ، لا يعرف كنهها ، ولا يعرف تقديرها ، فلا يمكن أن تقول: إني أحب فلان بمقدار نصف كيلو ، والآخر مقدار كيلو ! لا يمكن أن تضبط المشاعر بموازيين محسوسة ، فهي أمر كما قد يعبّر عنه هلامي ، وهذه الجهالة هي سر أيضاً من خفائها وصعوبة التعامل معها ، فما لم يكن لنا رجوع إلى الأحكام الشرعية ؛ فإن أمر العاطفة يبقى ليس له ضابط ، أو كما يقولون: ليس له خطام ولا زمام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت