غير أن آداب القرن التاسع عشر بخاصة قللت من قسوة هذه الصورة ، وفيها غدا اليهودي ممثلاً للتجارة الحكومية ، وظهر النموذج اليهودي الممثل للروح الرأسمالية . بدا اليهودي ، هنا ، باحثاً عن ذاته وقاسي القلب يكيف نفسه ، بذكاء ومكر ، مع أي وضع . إنه يستغل ما يوجد مع الآخرين ولا يعرف إلا هدفاً هو الصعود إلى أعلى . (لربما يجدر أن نتأمل هذه الأسطر الستة ونحن نقرأ رواية منيف) .
علينا ألا ننسى صورة أخرى لليهودي ظهرت في فترات لاحقة للعصر الوسيط ، وبخاصة في عصر التنوير . أبرزت بعض الأعمال صورة إيجابية لليهودي هي صورة اليهودي النبيل ، اليهودي المتسامي ، اليهودي الذي يقف إلى جانب الآخر إذا كان ذا حظ سيئ ، يبدو اليهودي هنا ذا قلب واسع ، ويبدو مستعداً للمساعدة وكريماً . إنه يفكر بنبل ، وهو حكيم ومتسامح ، ويضحك من الآراء المسبقة التي يشكلها العالم عنه ، بل ويغفر للمجتمع . هنا يمكن أن يشار إلى (روبرت جرينه) (1592) الذي مدح حكمة الرابي (بيليزيه) وإلى (جورج هربرت) (ق 17) الذي مجد في قصيدته"اليهودي"شعب الله المختار ، وهي سابقة لعصر التنوير ، ولكن هذا العصر شهد بروز أعمال لافتة ، منها مسرحية الكاتب الألماني (جوتهولد لنسج) "ناثان الحكيم" (1779) ، ونص (ريتشارد كوبرلاند) "اليهودي" (1794) ، لقد أبرز هذان النصان التفكير المتسامح للعصر . أدرج (لنسج) في مسرحيته يهودياً مفكراً ذا قلب كبير ، ليقنع محيطه بالإنسانية الحقيقية التي هي مختفية لدى جميع الشعوب . إن ثقة (لنسج) بقوة تطور الإنسان ، وبإمكانية التسامح لديه ، أخذت ، منذ ذلك الوقت ، تميز تصورات اليهودي المثالي بعامة . وسيقرأ المرء ، في أعمال أخرى لاحقة ، عن اليهودية التي تغدو صورة ذات معنى للطموحات الإنسانية إزاء الحكمة .
وسيقرأ أيضاً عن يهود يدرجون أنفسهم لخدمة السلم العالمي وعن أطباء يهود يعانون ويحتملون من أجل التخفيف عن معاناة الناس ، كما سيقرأ المرء عن مُربٍ روحي يساعد الآخرين من أجل السيطرة على العالم والتحكم به لصالح الإنسان .
ومع ما أثارته قضية (دريفوس) في فرنسا ، بعد عام 1894 ، فإن فرنسا لم تعدم وجود كتاب هاجموا المحكمة العسكرية ، ومن هؤلاء (إميل زولا) في مقالاته التي كتبها في عام (1898) وعام (1899) . لقد رأى أن اليهودي المشنع عليه هو ضحية آراء مسبقة .
ولكن ماذا عن المرأة اليهودية ؟ إذا ما غض المرء النظر عن أدب المرأة اليهودية ووصف الحياة المعبر لليهوديات ، فإن ما يتبلور هو صفة مميزة في وصف المرأة اليهودية . تندفع هذه ، كما تصورها النصوص الأدبية ، في مغامرة الاندماج ويثير موقفها هذا الإعجاب ، ويوقظ قدرها التعاطف معها . إنها تسحر القارئ الذي ينظر إليها على أنها نموذج معارض ، نموذج يجمل سلوكاً . وتبدو المرأة اليهودية ذات جمال مدهش ، وامرأة مليئة بالحب تضحي بنفسها من أجل الآخرين ، امرأة تعشق وتتبع في عشقها صوت قلبها ، وهي تتخلى عن المعتقدات القديمة وعن شعبها ، لتجد ، في النهاية ، الإنسان فيها (3) .
وسأغض الطرف عن الصورة التي ظهرت في نصوص كتاب يهود وإسرائيليين ، لأن ما يهمني هنا هو الصورة التي رسمها كتاب غير يهود لليهود . وللقارئ العربي الذي يرغب في تتبع تصور اليهود لذاتهم في نصوصهم يمكن الإحالة ، على سبيل المثال لا الحصر ، إلى دراسة غسان كنفاني"في الأدب الصهيوني"ودراسة معين بسيسو"نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة" (4) .
والآن ماذا عن صورة اليهود في الأدب العربي حتى عام 1821 ، العام الذي توقفت أمامه رواية منيف ؟ سوف أحاول إبراز هذه الصورة من خلال نماذج بعضها اشتهر وبعضها أقل شهرة ، وإن كان كاتبو الأخيرة أدباء مشهورين جداً .
تجدر الإشارة ، ابتداء ، إلى قصة الشاعر السموأل بن عاديا ، الشاعر الجاهلي المعروف. لقد ضرب المثل بوفاء هذا الشاعر وقيل"أوفى من السموأل"، ذلك أنه شاعر آثر أن يضحي بابنه على أن ينكث بالعهد الذي أخذه على نفسه ، وظل السموأل مضرب مثل بالوفاء ، حتى أعاد الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان النظر في قصته (5) . وقد يكون طوقان فعل هذا تحت تأثير اللحظة الفلسطينية القاسية التي ساءت فيها العلاقة بين أهل فلسطين العرب والحركة الصهيونية . وذهب طوقان إلى أن السموأل لم يضح بابنه لأنه أراد أن يوفي بعهده ، وإنما فعل ذلك لأنه فضل المال على ابنه .