فهرس الكتاب

الصفحة 4009 من 9994

وإذا ما بحثنا عن صورة اليهود في القرآن الكريم (6) ، لاحظنا أن القرآن يعترف بأنبياء بني إسرائيل ويجلهم ويقدر مكانتهم ، بل أن النص القرآني يذكر صراحة أن الله - سبحانه وتعالى - فضل بني إسرائيل على العالمين . وربما يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، فإذا كان المسيحيون يذهبون إلى أن يهودا خان معلمه وقتله ، فإن النص القرآني يقول: (وما قتلوه وما صلبوه ، ولكن شبه لهم) . ولكن الكتابة عن اليهود تتخذ ، في القرآن ، شكلاً آخر ، إذ صور اليهود بالتنكر للحق والمجادلة فيه ، وبالنفاق ونقض المواثيق ، وبالجبن والخيانة ، وبالحرص الشديد على الحياة ، وبكراهية المسلمين والكيد للإسلام ، وبالغدر بالأنبياء والإجرام والفساد في الأرض ، وبالسعي الدائم لإشعال الحروب . وهذه الصفات التي نعتوا بها في القرآن ستلازم اليهود في كثير من النصوص التي كتبت بعد نزول القرآن .

يأتي الشاعر العباسي أبو نواس على ذكر اليهود ، في بعض قصائده ، ومنها تلك التي قالها في الخمر ومطلعها:

وفتيان صدق قد صرفت مطيهم

... ... إلى بيت خمّار نزلنا به ظهرا (7)

ويكون صاحب الخمارة يهودياً ، ويمكن إجمال صفاته ، من خلال النص الشعري ، على النحو التالي:

يظن الآخرون به خيراً ، فيظن هو بهم شراً ، وهو لا يرضى أن يكون على دين المسيح، لكأن هذا شتيمة ، وهو يحب الآخرين ظاهراً ولكنه يضمر لهم الغدر ، وفوق هذا لا تشرفه الكنى العربية ولا تكسبه الثناء ولا الفخر . لنقرأ بعض أبيات القصيدة:

فلما حكى الزنار أن ليس مسلماً

فقلنا على دين المسيح بن مريم ؟

ولكن يهودي يحبك ظاهراً

فقلت له ما الاسم ؟ قال: سموأل

وما شرفتني كنية عربية

... ... ظننا به خيراً فظن بنا شرا

فأعرض مزوراً وقال لنا هجرا

ويضمر في المكنون منه لك الغدرا

ولكنني أكنى بعمرو ولا عمرا

ولا أكسبتني لا ثناءً ولا فخرا

وشبه أبو الطيب المتنبي الذي كان يشعر بالغربة في عالمه ، شبه إقامته بين بعض الأقوام التي عاش بينها بإقامة المسيح بين اليهود . ويفهم من بيته المعروف:

ما مقامي بأرض نخلة

... ... إلا كمقام المسيح بين اليهود (8)

أن اليهود سيئون ولا تجدر الإقامة بينهم ، لأن مصير من يقيم بينهم هو الموت .

ولم تخل كتب أبي حيان التوحيدي (9) كاتب النثر المعروف من ذكر اليهود . يرد في الليلة السابعة والعشرين من كتاب"الإمتاع والمؤانسة"المعروف جيداً ، يرد ذكر عن مجوسي ويهودي يلتقيان في الطريق ، ويملك الأول بغلة وطعاماً خلافاً للثاني ، ويرأف المجوسي باليهودي فيطعمه من طعامه ويركبه بغلته حتى يقاسمه عناء الطريق . ولما يركب اليهودي بفلة المجوسي يتخلى عنه ويتركه ولا يرأف به مع أنه - أي المجوسي - صاحب البغلة ، ويبدو اليهودي خائناً لا يحب الآخرين ، بل إنه يحتقرهم ، وهذا ما يرد على لسانه حين يسأله المجوسي عن مذهبه:

"أعتقد أن في هذه السماء إلهاً هو إله بني إسرائيل ، وأنا أعبده وأقدسه وأضرع إليه ، وأطلب فضل ما عنده من الرزق الواسع والعمر الطويل ، مع صحة البدن ، والسلامة من آفة ، والنصر على عدوي ، وأسأله الخير لنفسي ، ولمن يوافقني في ديني ومذهبي ، فلا أعبأ بمن يخالفني، بل أعتقد أن من يخالفني دمه لي يحل وحرام علي نصرته ونصيحته والرحمة به" (10) .

ويتعثر اليهودي وبغلته ، ترفسه البغلة وتلقيه أرضاً ، ويمر به المجوسي فيأخذ البغلة ويركبها ويسير ، وهنا يصرخ عليه اليهودي طالباً منه المساعدة ، فيرأف به ثانية ويسيران معاً ، وحين يُسأل المجوسي لماذا ساعد اليهودي ثانية مع أنه غدر به وخانه ، يوضح أن ما فعله اليهودي يعود إلى أنه طبع فيه تعود عليه وليس من السهل التخلي عنه .

ولعل أهم نص توقف أمامه الدارسون ، من العرب والمستشرقين ، هو قصيدة أبي اسحق الإلبيري الأندلسي (11) ، التي مطلعها:

ألا قل لصنهاجة أجمعين

... ... بدور الزمان وأسد العرين

وهو نص كتبه الشاعر يحرض فيه الحاكم حبوس بن باديس على وزيره اليهودي يوسف بن النفرلة الذي استبد وطغى . يوصف اليهود في النص على أنهم كفار ، وقرود أراذل ، ويستخفون بالمسلمين ويتطاولون على الصالحين ، وأنهم فراخ الزنا ، وفاسقون ، وكلاب ، وجبناء ، وسحرة ، وبشر يكنزون المال - لتقرأ هذه الأبيات:

وكيف تحب فراخ الزنا

وكيف استنمت إلى فاسق

فقد ضجت الأرض من فسقهم

تأمل بعينيك أقطارها

وهم يقبضون جباياتها

وهم أمناكم على سركم

وقد لابسوكم بأسحارهم

ولا ترفع الضغط عن رهطه

... ... وهم بغضوك إلى العالمين

وقارنته وهو بئس القرين

وكادت تميد بنا أجمعين

تجدهم كلاباً بها خاسئين

وهم يخضمون وهم يقضمون

وكيف يكون خؤون أمين ؟

فما تسمعون ولا تبصرون

فقد كنزوا كل علق ثمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت