فهرس الكتاب

الصفحة 4010 من 9994

هكذا بدا اليهود في نصوص من الأدب العربي حتى بدايات القرن التاسع عشر ، فهل شذت صورتهم في رواية منيف عن الصورة التي بدت لهم في الأدبين العالمي والعربي ؟ لن أتوقف أمام صورة اليهود في الأدب العربي بعد عام 1821 ، وهي موضوع لفت أنظار دارسين كثر ، دفعهم لأن ينجزوا العديد من الدراسات حوله (12) .

تجري أحداث الرواية في بغداد ، أساساً ، وفي كركوك والسليمانية ، وتحفل بنماذج بشرية تنتمي إلى العراق وبلاد فارس ، وأخرى جاءت إلى العراق من بلاد آسيا الوسطى ومن فرنسا وبريطانياً ، وهذه النماذج البشرية نماذج حقيقية لها حضور في أرض الواقع كما لها حضور في الرواية ، ومنها سعيد باشا وداود باشا و (ريتش) ، ولا يعني هذا أن الشخصيات كلها شخصيات حقيقية ، فهناك شخصيات متخيلة قد يكون لها نصيب من الواقع .

نحن في الرواية أمام مسلمين ومسيحيين ويهود ، وأمام عرب وفرنسيين وإنجليز وأتراك وفارسيين ، وأمام سكان مدن وسكان بادية وسكان ريف ، وسأقتصر هنا في الكتابة عن صورة اليهود .

تحفل الرواية بنماذج يهودية عديدة ، ذكورية ونسائية ، وهي نماذج تمثل الطائفة اليهودية العراقية . هناك تجار وهناك رجال دين ، وهناك موظفون كتبة ، وهناك نسوة يبدون ، قياساً إلى النماذج النسوية العربية المسلمة داخل النص الروائي ، يبدون متحررات يمارسن ، داخل المجتمع ، أدواراً تقتصر عليهن . إنهن مغنيات وراقصات وصاحبات بيوت ترفيهية ، ولا نقرأ ، في الرواية ، عن نسوة مسلمات يقمن بهذه الأدوار في المجتمع .

ولا يشكل اليهود أفراداً يفني الواحد منهم حياته في سبيل الملة اليهودية ، ثمة تنافس بينهم يؤدي إلى الكراهية والتناحر ، فالمصلحة الخاصة لهذا أو ذاك قد تدفعه لأن يقف في وجه آخر من أبناء ملته . ثمة خصام ووئام .

ونحن نقرأ عن اليهود ، في الرواية ، من خلال النماذج الروائية ، ومن خلال آراء السارد ، ومن خلال تعليقات الشخصيات الروائية المختلفة .

هناك من بين النماذج اليهودية من يكون حضوره عابراً ، ولكن هناك أيضاً من يظل حاضراً في أجزاء الرواية الثلاثة ، حتى ليمكن القول إنه شخصية تكاد تكون رئيسية . والأخيرة تظل عالقة في ذهن القارئ أكثر من الأولى . تتمثل النماذج العابرة في شخصية رجل الدين الحاخام طقو موشي ، وفي سلطانة رجوان وابنتيها سارة وزكية ، وفي جاكي الأصفر (أبو سارة) . يهتم الحاخام بالشعائر الدينية وأمور الطائفة ، وتقود الثانية جوقاً من الدقاقات ، وهي ذات صوت جميل تغني في أفراح المسلمين في بيوتهم ، وكانت ذات قوام ، رغم السمنة ، يثير شهوة الرجال ، كما يثير فضول النساء . وأما جاكي الأصفر فهو متعلم يفك الحرف ويعمل كاتباً ، يتصف بالبخل ، ويبدو حذراً من الآخرين . وأما النماذج الرئيسية فهي عزرا بن سليم روفة وساسون أفندي وروجينا حسقيل أو روجينا مراد .

المهنة التي يمارسها ساسون أفندي هي وظيفة صراف باشي لدى سعيد باشا ، ولكنه تاجر قبل هذا ، ولا يختلف عنه عزرا الذي يغدو صراف باشي إبان حكم داود الذي أقصى سعيداً . وتكون العلاقة بين ساسون وعزرا غير ودية ، إنها علاقة تقوم على التنافس ، ولكنهما، مع مرور الأيام ، يتصالحان . وتكاد صورة ساسون وعزرا لا تختلف عن صورة (شايلوك) . إنهما تاجران يهتمان كثيراً بأمر تجارتهما . وتذكرنا وظيفة كل منهما بوظيفة اليهود في الأندلس ، في القرن الخامس الهجري . لقد كان يوسف ابن النغرلة ، ومن قبله أبوه إسماعيل ، وزيرين لشؤون المال لدى ابن باديس .

يدفع عزرا المال رشوة حتى ينقذ رأسه ، ويملك ثروة هيأ لها بكثير من الذكاء ، إنه يرى أن المال وحده لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا لم يقده عقل وهاج . وتقوم فلسفته على أن الإنسان إذا كان قادراً على أن يكسب المال _ إذا كان بارعاً وواتاه الحظ - فالأكثر أهمية هو أن يجعل هذا وسيلة لمال أكثر ، لقوة أكبر ، لا يبدو عزرا بخيلاً ، أنه على استعداد لأن ينفق المال من أجل الحصول على منصب حتى لو لم يستعد هذا المال . لنر ما يكتبه لابنه ، وهذا يعبر عن طبيعة شخصيته ، لنر:

"وتركت لكم ثلاثة أنواع من الثروة: مالاً إذا عرفتم كيف تتصرفون به سوف يتضاعف من جيل إلى جيل ، وتركت لكم علاقات تحميكم من غدر الزمان وتقلب الأيام ، وتركت لكم سمعة تحول التراب إلى ذهب ، وتجعل كل حاكم يتلمس رأسه قبل أن يعاديكم…" (13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت