فهرس الكتاب

الصفحة 4011 من 9994

ونحن نلاحظ ، من خلال النص الروائي ، أن اليهود يملكون المال ، وأن لهم علاقات مع الحكام ، وأن الحكام بحاجة إلى أموالهم . وربما نعود هنا ثانية إلى ابن النغرلة وابن باديس . كان ابن النغرلة يملك المال ، وغدا وزيراً ، وأراد أن يستأثر بالحكم ، وحين أراد بلقين بن حبوس بن باديس أن يعزله ، دس ابن النغرلة له السم فقتله ، وربما ونحن نقرأ عن شكل العلاقة بين ساسون وعزرا نتذكر شكل العلاقة بين ابن النغرلة وبعض اليهود ، فقد كان له من بين اليهود خصوم ، وإن لم يشر أبو اسحق في قصيدته إلى هذا حيث عمم القول في اليهود ، فقد ذكرته بعض المصادر التاريخية.

هنا يمكن أن ننظر في شخصية ساسون . كما ذكرت كان ساسون تاجراً وكان صراف باشي ، ولكنه كما يراه عزرا ، كان داهية ، لننظر إلى الصورة التي يرسمها له عزرا ، يرد على لسان السارد:

"كان عزرا على يقين أن ساسون مثل أسماك الأنهار الجبلية: أشواك كثيرة ومرونة في الحركة والانتقال ، لكن لا تغادر محيطها ، إذ لو فعلت لن يقدر لها أن تعيش . قد تختفي فترة ، قد تموه نفسها ، لكن لابد أن تظهر حالما تشعر بالأمان" (14) .

اليهودي هنا ، وهو نموذج وليس نمطاً ، يمثل فرداً ولا يمثل جماعة ، لأن الحكم صادر عليه من واحد من أبناء ملته ، اليهودي هنا مؤذ ، ولكنه مرن ، وهو قد يتوارى عن الأنظار إذا ما كان هناك خطر يهدده ، ولكنه يظل مرتبطاً بالمكان الذي نشأ فيه .

ثمة صورة أخرى لساسون ترسمها يهودية ، إنها أيضاً تندرج ضمن تصور الذات اليهودية لذاتها ، كما يتخيل ذلك المؤلف . تقول روجينا عن ساسون:

"مثل ما يحب الفلوس وما يشبع منها ، يحب الكيف: البستة والمقام ، ويموت بيا ليل ويا عين ، أما إذا صاحت مرية بآخر الليل: أوف ، تتلقاه راكع خاشع ، وبعد ما تخلص الأوف يسيل كراعة وينشمر بين زرورها" (15) .

أنه ، حتى من وجهة نظر يهودية ، وإن كانت متخيلة ، يحب المال ، ولكنه يحب الغناء، وإذا ما استبد به الطرب مد يده إلى صدر المرأة . وحب المرأة ليس مقتصراً على ساسون. عزرا أيضاً له علاقات نسائية مع لورا ، ولكن العلاقات النسوية ، داخل النص الروائي ، ليست مقتصرة على اليهود .

تمثل روجينا ، مثل سلطانه ، نموذج المرأة اليهودية ، إنها اليهودية القحبة التي تدير بيت دعارة ، وهي المرأة التي يوظفها اليهود وغير اليهود للتجسس على الآخرين ، إما بالإقناع وإما بالترهيب والملاحقة ، ويجبرها على هذا من يملك القوة أو من يملك المال . وقد تخدم غير جهة. تشهد على الآغا الانكشاري سعيد عليوي ، لصالح داود باشا ، وتغادر في النهاية العراق، مع القنصل البريطاني ، إلى بريطانيا . ويستدل من هذا أنها كانت تتجسس أيضاً لصالح القنصل . ولئن كانت سلطانه رجوان تغني ، وليس في غنائها ما يعيب ، ولهذا يسمح لها العرب المسلمون بدخول بيوتهم لتغني في أفراحهم ، فإن روجينا تدير بيت دعارة ، وهي ، في نظر داود باشا وفي نظر غيره ، ليست أكثر من قواده وقحبة .

لئن كان السارد قدم لنا ، وهو يسرد ، النماذج الروائية وتركها تعبر عن ذاتها وتفصح في هذا عن رأيها في ذاتها وفي الآخرين ، فإن ما يرد على لسانه هو لم يكن يخلو من آراء في اليهود ، وفي غيرهم ، وما يهمنا هنا هو رأيه في اليهود .

تجدر الإشارة ، ابتداءً ، إلى أن السارد في الرواية كلي المعرفة ، ويبدو أحياناً كثيرة سارداً ليبرالياً لا يكتفي بنقل رواية دون غيرها ، إنه ، حين يتعدد القول في حادثة ، يورد الأقوال العديدة ، ولعل الأهم من هذا هو السؤال إن كان السارد شخصاً آخر غير عبد الرحمن منيف . ولا تقول لنا الرواية شيئاً عن هذا . فنحن لا نعرف للسارد خصائص وصفات تميزه عن عبد الرحمن منيف ، ولكننا ، في الوقت نفسه ، لا نستطيع أن نثبت أنه منيف نفسه . قد نستطيع أن نطابق بينه وبين منيف ، وقد نستطيع القول إنهما ليسا شخصاً واحداً ، ونعتمد في رأينا الأخير على أن السارد كان شاهداً على أحداث الزمن الروائي ، خلافاً لمنيف الذي ولد في القرن العشرين . وأياً كان الأمر فإن ما يهمنا هو تصور السارد لليهود ، وبعد ذلك يمكن التساؤل إن كان هذا التصور هو تصور منيف نفسه ، ولإثبات هذا قد يحتاج المرء إلى سؤال منيف عن رأيه في اليهود ، يرد على لسان السارد ما يلي:

"كيف يعجز أبو سارة عن قراءة مجرد رسالة عادية لإنسان فقير مثل حسون ؟ ألا يجوز أن يكون فيها أمر يخشاه ، ولا يريد أن يكون شاهداً أو ترجماناً ، كعادة اليهود الذين يرفضون أن يكونوا طرفاً في مشاكل … قد تؤثر على تجارتهم" (16) .

ويفهم من هذا أن السارد يرى أن اليهود يراعون أول ما يراعون مصالحهم التجارية ، وما يدعم هذا ما يرد في الرواية على لسان حسقيل بن عزرا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت