"لا أهتم بالسياسة إلا بقدر تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية والمالية ، عدا ذلك لا تعني لي السياسة شيئاً ، ولا أحب أن أصدع رأسي بخصومات هؤلاء" (17) .ويفهم من أقوال السارد أيضاً أن اليهود بخلاء ، ولا يراعون عادات العرب وتقاليدهم فيما يمس الضيف . يذهب الأسطة عواد إلى أبو سارة لكي يقرأ له هذا الرسالة التي وردت إلى حسون ، ولا يطلب أبو سارة للأسطة شايا أو قهوة ، لنصغي إلى كلام السارد:
"وكيف أن جاكي لم يفطن ، أو لم يفكر ، بأن يأمر له باستكان شاي ، رغم أن قهوة ابن زبيبة على بعد خطوتين ، وأن صانع القهوة مر عدة مرات ، وأطل برأسه وسأل ما إذا يأمره أبو سارة بأي شيء" (18) .
والسارد الذي يراقب سلوك شخوصه ويرصد حركاتهم وأقوالهم يرصد أيضاً انعكاس الأحداث على ملامحهم ، ومن خلال هذا نلحظ أنه يلحظ أن اليهود يتمسكنون . لكأن اليهودي ذليل يميل إلى التمسكن حين لا يقوى على ما لا يريد . حين يأمر الباشا عزرا ويطلب منه شيئاً لا يرضى عزرا عنه يتكلم الأخير بمسكنة . ويتكرر هذا غير مرة . لنقرأ الفقرتين التاليتين للسارد:
"صمت عزرا ، فقد أحس أن موجة من الغضب تسيطر على الباشا ، لأن الكلمات خرجت من بين أسنانه ، وهو يعرف ماذا يمكن أن يترتب إذا واصل بهذه الطريقة . قال بمسكنة:" (19)
"لكن الباشا هز رأسه بعدم اهتمام ، وكأنه يعتبر ريتش مسؤولاً ، فرد عزرا بمسكنة .." (20)
كلام السارد يفصح لنا أيضاً عن رأي في المرأة اليهودية . يأتي السارد على زيارة الآغا سعيد عليوي إلى بيت روجينا ، ويصف لنا تصرفات روجينا ، ومما يقوله السارد:
"كانت روجينا في بعض الليالي تتكلم بطريقة لا تخلو من دلع ، إذا تعتمد أن تكون قريبة جداً من الآغا ، وحين لا تكفي الكلمات للتعبير عما تريد كانت تميل عليه ، تنكزه بكتفها كوسيلة إضافية في الإقناع" (21) .
لكأن السارد هنا مقتنع بفكرة تسخير اليهودية جسدها لتحقيق ما تتطلع إليه أو ما يطلبه الآخرون منها ، ومما يعرفه السارد عن اليهود أنهم يحتفظون بالكثير من التحف النادرة ، وأنهم لا يمانعون ببيعها إذا تلقوا مقابلها مالاً مجزياً وهذا المقابل يتفاوت تبعاً للمشتري ومدى حماسته ورغبته بالتحفة ، والعادة أن تكون معروضة للبيع وغير معروضة في نفس الوقت" (22) ."
تفصح الرواية عن أطراف أخرى تبدي رأيها في اليهود ، وهي أطراف عديدة تختلف ثقافياً وعرقياً أيضاً ، هناك المسيحي الإنجليزي ، وهناك الحاكم في العراق الذي ولد لأم مسيحية وأسلم وغدا مسلماً ورعاً تقياً ، وهو داود باشا الحاكم المثقف ، وهناك عامة الناس من سكان بغداد .
يطلب حامد ، وهو ضابط من ضباط الآغا ، شهادة من ضابط القلم في القلعة واسمه مزاحم ، فيتردد الأخير في إصدارها لأنه مسؤول عما يصدر عنه من أوراق ويخشى من العواقب، وحين يصر مزاحم على رأيه ، يقول له حامد:
"- دفاترك صارت مثل دفاتر اليهود ما تنفتح إلا وقت الإفلاس ، فحرام إذا انفتحت نوبة بالسنة ونقشت منها شهادة حسن سلوك" (23) .
اليهود هنا ، كما يلاحظ ، مضرب مثل لأن لهم سلوكاً خاصاً بهم .
ويأتي السارد على حديث ذنون _ وذنون فنان عراقي من سكان بغداد _ عن بطرس يعقوب الذي ساعد الإنجليز في استخراج الذهب والفضة والتماثيل من الأرض ، ويختم ذنون حديثه بالقول:
"وما كفاه هذا ، صار يفتر الولاية من أولها لتاليها ، مثل يهودي أبو بيع ، منّو عنده حاجات قديمة للبيع ، منّو لقي أصنام دفنها الكفار حتى نخلص ديرة الإسلام منها … ما خلّى شيء إلا وقال للإنجليز: تعالوا ، خذوا ، شيلوا .." (24) .
ويفهم من الكلام المقتبس ، أن هناك مهناً يمارسها اليهود ، وهي شراء الأشياء القديمة ، ومنها التحف ، ويفهم منه أيضاً أنهم يبيعون كل شيء .
ويخاف اليهود من الخسارة ، وتنعكس على ملامحهم بوضوح . يرد على لسان الأسطة عواد ، وهو من عامة الشعب ، ما يلي:
"-إذا شفت اليهودي مدلغم وما يضحك لخبز التنور ، فاعرف أنه خايف ، وخوفه من الخسارة اللي صارت أو من الخسارة اللي راح تصير ، والشريف بينهم ماكل الأخضر واليابس" (25) .
أما البريطاني (ريتش) ، وهو قنصل بريطانيا في العراق في حينه ، فيقصر دور اليهود في الأحداث على المال . إنه يربط بينهم وبين المال ، فإذا كان الآخرون يشاركون في الأحداث ، وتكون مشاركتهم في السياسة ، فإن اليهود أيضاً يشاركون ، ولكن دورهم يقتصر على المال . لنقرأ ما يقوله ريتش لحسقيل:
"التغيير ، لكي يحصل ، يحتاج إلى إمكانيات ، وهذه لا توفرها إلا الأموال ، ومن أجل تأمين تلك الأموال ، لابد من الاتفاق على صيغة بين الدولة والذين يملكون المال ، وهنا يأتي دوركم" (26) .
وهذا قد يذكر قارئ (شكسبير) بـ (شيلوك) و (أنطونيو) المسيحي الذي كان يقترض المال من الأول ، فهل كان (ريتش) قارئاً جيداً لـ (شكسبير) ؟