وإذا ما تتبعنا أقوال داود باشا الذي يوظف عزرا في منصب صراف باشي ، فهمنا أنه يرى اليهود حريصين على المال ، وأن حبهم المال يسري في دمهم ، حين يتردد نادر أفندي ، وهو موظف لدى عزرا ، في إنفاق المال بأريحية ويبدو حريصاً عليه ، يعقب داود باشا:
"- هذا الأثول ، نادر أفندي ، لابد يكون به عرق يهودي ، لأن مثل هذا المرض موشغلة عادة تعودها ، هذا شيء يسري بالدم" (27) .
حتى نادر أفندي هذا يميز بين اليهود وغيرهم في علاقة اليهود وغير اليهود بالمال . يطلب داود باشا ومعاونوه من نادر أن يعطي المال لشيوخ القبائل البدو ، فيستاء من هذا لأن هؤلاء لا يعرفون المال كما يعرفه اليهود الذين له دراية وخبرة به . يرد على لسان نادر:
"اليهودي ، الفلوس ، وهي جوا الكيس ، بالظلمة ، ما يمد الإبهام والسبابة ويلمسها ، يطخ بها ، إلا ويعرفها ، ويعرف شنو يطلع وشوكت ، أما هذول البدو …" (28) .
وتتكرر العبارات التي تصف اليهود بحب المال مراراً ، من ذلك مثلاً ما ورد على لسان سيفو وهو يبدي رأيه في ص 462 من الجزء الأول في الملا حمادي:
"ملا حمادي حيال ، ما يعرف الحلال من الحرام ، الفلس ربه ومعبوده ، مثل اليهود ، أكثر من اليهود"
هذه هي صورة اليهود من خلال النماذج المصورة ومن خلال المتخيل السردي والشعبي والرسمي والإنجليزي ، ولكن ثمة ملاحظة تجدر الكتابة عنها . يريد نسيم بن ساسون أن يتزوج من زكية بنت سلطانه ، ولكنه يشترط عليها أن لا تمارس الغناء والرقص وتوافق هي على شرطه ، علماً بأن أمها مغنية وراقصة . ولهذا دلالته إذ تبرز الرواية نموذجاً يهودياً عربياً يتأثر بالبيئة والمحيط ويبدو محافظاً لا يقبل أن تمارس زوجته مهنة ترى فيها أغلبية الناس مهنة غير مقبولة ، وإن كانت تتقبلها من غيرها . وهكذا لا يكون اليهود في الرواية على شاكلة روجنيا وسلطانة: بغايا وجواسيس ومغنيين وراقصات ، ولا يكونون أيضاً قوادين ولا يكترثون للعرض . ثمة محافظون يرفضون التحرر والانفتاح والمهن غير المقبولة من المحيط (29) .
الخلاصة
لم تختلف صورة اليهود في"أرض السواد"اختلافاً جذرياً عن الصورة التي عرفتها الآداب العالمية والعربية قبل القرن التاسع عشر: اليهود تجار يحبون المال حباً جماً لدرجة أنه يغدو معبودهم ويصبحون في هذا مضرب مثل ، والمال الذي يمتلكونه يجعل الآخرين في حاجة إليهم ، وهذا قد يجر عليهم الخراب ، ولكن قد يؤهلهم لاحتلال مناصب بارزة . والمرآة اليهودية في الرواية بغي وجاسوسة وتمارس مهناً ، مثل الرقص والغناء ، وهذا التصور ربما يذكرنا بعبارة"فراخ الزنا"التي وردت في قصيدة أبي اسحق الالبيري ، وإن كان منيف لم يعمم وأشار إلى يهود محافظين .
ويلاحظ أن عبد الرحمن منيف لم يسقط على يهود العراق في حينه - أي ما بين 1802-1821 وهو الزمن الروائي كما لاحظنا - تصورات أخرى أبرزتها لهم النصوص الأدبية العالمية والعربية التي كتبت بعد هذا التاريخ . ويبدو أن الكاتب ، ظل وهو يكتب نصه ، أسير الصورة التي عرفت عن اليهود حتى ذلك الزمن .
تاريخ إنجاز الدراسة
(1) عبد الرحمن منيف ، أرض السواد ، بيروت ، 1999 .
(2) حول الرواية انظر: ماهر جرار ، أرض السواد وخضار السرد ، قراءة أولى في رواية عبد الرحمن منيف ، مجلة الطريق اللبنانية ، ع4، سنة 2000م ، ص129-ص158 .
(3) حول صورة اليهود في الأدب العالمي ، وغالباً الغربي ، انظر: Ho صلى الله عليه وسلم st S.und Ing صلى الله عليه وسلم id Daemm صلى الله عليه وسلم ich في كتابيهما:
(4) صدرت الطبعة الأولى من كتاب كنفاني عام 1966 ، وصدرت الطبعة الأولى من كتاب بسيسو في عام 1970 ، وكلاهما قرأ الأعمال الأدبية المكتوبة بالإنجليزية أو المنقولة من العبرية إليها .
(5) حول ذلك انظر: عادل الأسطة: اليهود في الأدب الفلسطيني بين 1913 و 1987 ، القدس ، 1992 . ص24 وما بعدها .
(6) حول صورة اليهود في القرآن الكريم انظر دراسة رشاد عبد الله الشامي ، رؤية مصرية لصورة اليهود في أدب إحسان عبد القدوس، وقد ظهرت الدراسة في كتاب خاص في عام 1992 ، كما ظهرت في كتاب:"صورة الآخر: العربي ناظراً ومنظوراً إليه ، من تحرير الطاهر لبيب ، بيروت ، 1999 ، وانظر ص850 و851 و852 من هذا الكتاب - أي الكتاب الذي حرره لبيب . وانظر: محمد نور الدين آفاية ، الغرب المتخيل ، بيروت ، 2000 / ص58 وما بعدها ."
(7) اعتمد في قراءة هذا النص على كتاب أنيس المقدسي ، أمراء الشعر العربي في العصر العباسي ، بيروت ، 1977 ، ط11 ، ص135.
(8) انظر ديوان أبي الطيب المتنبي ، وتحديداً القصيدة التي مطلعها:
كم قتيل ، كما قتلت ، شهيدٍ
... ... ببياض الطُلى وورد الحدود