فهرس الكتاب

الصفحة 7999 من 9994

أما بعد: فاتقوا الله - عباد الله - وأطيعوه ؛ فإن العباد مهما بلغوا مفتقرون إلى ربهم ، محتاجون إليه في كل لحظة وحين ، وإذا اشتدت المحن ، وعظم الكرب ، فلا فرج ولا مخرج إلا بالله العليم القدير (( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فذل فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) ) (يونس: 32،31) .

أيها الناس: لقد أنعم الله تعالى على البشر عامة بدين الإسلام الذي هو الرحمة والعدل ، ثم كانت النعمة الخاصة لمن أسلم دينه لله تعالى، واتبع الحق من ربه، وجانب الباطل بأديانه المختلفة، ومذاهبه المتعددة، فانخلع من أدران الوثنية ، ومن أوضار الأديان المحرفة، وسلم من ظلمات الإحداث والبدعة، فكان إسلامه نقيا صافيا كما شرعه الله تعالى وارتضاه ، وأنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتلك نعمة لا يدرك كثير من المسلمين عظمها وقدرها ، فلا يشكرون المنعم علينا بها (( قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ) (الحجرات: 17) .

إن العرب في جاهليتهم لم يكونوا شيئا يذكر ، ولا أمة تعرف فتهاب ، ولم يحسب الآخرون لها أي حساب؛ لأنهم كانوا قبائل متفرقة ، وعشائر متناحرة ، يفني بعضهم بعضا في سبيل ناقة عقرت، أو خيل سبقت، أو كلمة قيلت ، وكانت السيادة للفرس والروم.

لقد كانت القبائل العربية المتاخمة لبلاد الفرس أو لبلاد الروم تابعة لإحدى هاتين القوتين العظميين آنذاك ؛ فملوكهم يعينون بقرارات من قصور الأكاسرة والقياصرة ، وأبناؤهم يرمى بهم بين السيوف والرماح لصنع أمجاد ليست لهم ، وإنما هي لملوك الفرس والروم ، فاصطنع الفرس قبيلة لخم اليمانية ومنحوا رؤساءها لقب (الملوك) فكان منهم ملوك المناذرة, واصطنع الروم قبيلة تنوخ العدنانية ومنحوا رؤساءها أيضا لقب (الملوك) فكان منهم ملوك غسان ، وكم أهريقت من دماء لأبناء هاتين القبيلتين وأحلافهما في سبيل عرشي كسرى وقيصر.

والحرب بين فارس والروم قديمة قدم دولتيهما ، تكون الغلبة للفرس تارة، وتارة أخرى تكون الغلبة للرومان.والفرس أسبق في الدولة والقوة من الرومان ، ولما سُبي اليهود بأيدي البابليين ونُقلوا إلى العراق أعادهم أمبراطور فارس قورش الإخميني إلى فلسطين قبل ميلاد المسيح عليه السلام بخمسة قرون وزيادة ، وكان ذلك أول تقارب تاريخي بين الفرس واليهود ، و قبل الميلاد بثلاثة قرون وزيادة قامت للرومان دولة وثنية قوية على يد الإسكندر المقدوني الذي يعده الأوربيون أعظم قائد روماني في التاريخ ، فقضى على دولة الفرس ، وضمها إلى مملكته ، ولكن الفرس أعادوا دولتهم بعد قرن من الزمان ، وقويت دولتهم بعد قرون خمسة في عهد الساسانيين، وظلت الحروب والثارات مشتعلة بين الفرس والروم قرونا تباعا ، وكانت قبائل العرب من حطب حروبهم.

وبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم شن كسرى الفرس إبرويز حربا ضروسا على الروم استولى فيها على بلاد الشام ومصر , وسلب الرومان صليبهم الأكبر، ونقله من بيت المقدس إلى المدائن عاصمة الفرس , وهذه الحادثة هي التي ذكرت في القرآن (( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) ).

أي: غلبهم الفرس، وسيُغلب الفرس على أيدي الرومان بوعد من الله جل جلاله ، ووقع ذلك ؛ إذ تولى هرقل عرش القياصرة فشن حربا ضروسا على الفرس استرد بها الشام ومصر , وهاجم الفرس في بلادهم ، وكسر قوتهم ، واستولى على أموالهم ، وفرض الجزية عليهم. ووضعت الحرب أوزارها بين الفرس والروم ليبدأ عهد جديد على أيدي المسلمين ؛ إذ بشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح بلاد الفرس وبلاد الروم فقال عليه الصلاة والسلام: (( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ) ) [1] .

وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( لئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى ) ).

وبشر عليه الصلاة والسلام أول جيش مسلم يغزو الروم فقال صلى الله عليه وسلم: (( أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ) ) [2] .

وأخبر عن الاستيلاء على قصر كسرى فقال عليه الصلاة والسلام: (( عُصيبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض بيت كسرى ) ) [3] .

ولما وضعت الحرب أوزارها بين المسلمين والمشركين عقب صلح الحديبية كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك العالم آنذاك يدعوهم إلى الإسلام ومنهم كسرى وقيصر ، فأما كسرى فأخذته العزة بالإثم ، واستكبر ذلك واستعظمه ؛ لما قام في قلوب الفرس من احتقار العرب ، والإزراء بهم، فمزق كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه كل ممزق.

وأما قيصر الروم فقد مشى من حمص إلى القدس شكرا لله تعالى لما نصره على الفرس ، فورد عليه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت المقدس ، ثم طلب أحدا من العرب يسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان المسؤول أبا سفيان قبل أن يسلم ، وجرت المحاورة المشهورة التي أعلن فيها هرقل صدق النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأبي سفيان: ( وإن يك ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدمي هاتين ، ولو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت قدميه) وكاد هرقل أن يسلم لولا خوفه على ملكه فخسر الإسلام وما بقي له الملك .

وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووفاة الصديق أبي بكر رضي الله عنه ، وفي خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه كسر المسلمون الروم في وقعة اليرموك وفتحوا الشام وبيت المقدس بقيادة خالد وأبي عبيدة رضي الله عنهما ، وودع هرقل سورية وداعا لا لقاء بعده.

ثم كسر المسلمون الفرس في القادسية بقيادة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، وتتبعهم سعد في مواقع كثيرة إلى أن فتح الله عليه المدائن عاصمة الفرس ، وأخضعها للإسلام ، ودخل سعد قصر كسرى الأبيض الذي بشر النبي صلى الله عليه وسلم بفتحه ، وصلى سعد رضي الله عنه في إيوانه.ثم قضى المسلمون على تجمعات الفرس في نهاوند بقيادة النعمان بن مقرن المزني رضي الله عنه سنة إحدى وعشرين للهجرة.

وهكذا انتهت الدولتين العظميين آنذاك فارس والروم على أيدي أهل الإسلام ، وأما شعوب هاتين الدولتين ، فكثير منهم دخلوا في دين الله تعالى ، وبقي كثير منهم تحت حكم المسلمين بعقد الذمة ، ثم أسلم أكثرهم لما عرفوا الإسلام، ورأوا عدل المسلمين فيهم ، ورحمتهم بهم ، حتى كانوا أرحم بهم من ساستهم الذين حكموهم من قبل ، وبعضهم هاجروا إلى بلاد لم يصلها الإسلام ، وبعضهم أظهر الإسلام وأبطن الكفر، وعمل هؤلاء المنافقون الباطنيون على زعزعة المسلمين من داخلهم ببث الفرقة بينهم ، ونشر الأراجيف فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت