فهرس الكتاب

الصفحة 7997 من 9994

فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الذي أخرجكما ، قوموا فقاموا معه فأتوا حائطاً لرجل من الأنصار فإذا هو غيرُ موجود في بيته فلما رأت زوجته رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: (مرحباً وأهلاً فقال لها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أين فلان ؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء ، فلما جاء الأنصاري فنظر على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبيه قال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرمُ أضيافاً مني قال فانطلق فجاءهم بعذقٍ فيه بُسْر وتمر ورطب فقال: كلوا من هذا وأخذ السكين ليذبح لهم فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ(( إياك والحلوب ) )فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا فلما شبعوا ورووا قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأبي بكر وعمر: (( والذي نفسي بيده لتسألنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة ، أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم ) ) [1] .

إن الله جَلّ وعز يسأل عباده عن هذا النعيم سؤالَ تعديد النعم عليهم أياً كانت ، قال تعالى: (( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) ) (التكاثر: 8) .

لّما نزلت هذه الآيةُ قال الزبير: يا رسول الله فأي النعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء قال: أماإنه سيكون [2] .

وعن أبي هريرة ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: سمعتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (( إن أول ما يسأل عنه يوم القيامة ـ يعني العبد من النعيم أن يقال له: (( ألم نصحَّ لك جسمك ونرويك من الماء البارد ) ) [3]

وصحَّ عن أبن عباس رضي الله عنهما في قوله: (( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) )قال: النعيم: صحةُ الأبدان والأسماع والأبصار ، ويّسْأل اللهُ العباد فيما استعملوها،وهو أعلم بذلك منهم وهو قوله: (( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ) (الإسراء: 36) .

وصحَّ عن مجاهد في معنى الآية قال: (عن كل شيء من لذة الدنيا ) .

يا أصحابَ الترفِ والإسراف:

ليتكم تفكّرون فيما أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة رضي عنها

قالت: (ما شبع آلُ محمد صلى الله عليه وسلم من خبزِ شعير يومين متتابعين حتى توفي صلى الله عليه وسلم ـ وقالت لعروة بن الزبير( كما في الصحيحين) والله يا أبن أختي: إن كنا ننظر إلى الهلال ثم الهلال:

ثلاثةُ أهلّه في شهرين وما أوقد في آبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ فسألها عروة قائلاً: يا خالةُ فما كان يُعيشكم ؟ قالت: الأسودان التمرُ والماء إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ جيرانٌ من الأنصار، وكانت لهم منائح وكانوا يرسلون إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ألبانها فيسقينا وليس هذا فقط) .

بل قال النعمان بن بشير ( كما في الصحيحين ) لقد رأيتُ نبيكم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما يجد من الدَّقَلِ ما يملأ به بطنه والدَّقلَُ: تمرٌ رديْ ). ولو شاء ـ بأبي هو وأمي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لسارت معه جبال الدنيا ذهباً لكنه دعا ربه بأن يجعل رزقه ورزق آلهِ ما يسدُّ الرمق فقال: (( اللهم أجعل رزقَ آلِ محمدِ قوتاً ) ) [4] .

أيها المسلمون:

حينما نسمع ونقرأ من هذه النصوص فهل هناك مكان للمقارنة بين ما نحن فيه من نعم غزار وخير مدراراً وبين هذه الأخبار إننا لنستحي من ربنا جَلَّ وعلا ـ الذي غمرنا بعطائه ونعمه ـ نستغفر من تقصيرنا في شكره، وضعفنا في أداء حقه ، وإسرافنا في الخطايا والذنوب إننا ونحن نتعّرفُ ما جرى لخاتم الرسل والأنبياء وأكرمِ الخلق على الله جَلَّ وعلا وما جرى لأصحابه من فقرٍ وشدة وجوع ومسغبة لا نقول للناس: طلقوا الدنيا، ووزعوا جميع ثرواتكم ، وأغلقوا أمكنة تجاراتكم .

ولو قلنا ذلك ما أطاعونا لكننا نرغب في تقرير حقيقةٍ مهمةٍ ألا وهي:

هوان الدنيا على الله وأن الغنى ليس بكثرة المال وعظم الجاه وأنَّ الإغراق في شهواتِ الدنيا من شأن المترفين والذين ذمهم القرآن في غير ما آية ، فهم المنعّمون الذين يتغذون باللذات، ويتناولون الشهوات ، قد أبطرتهم النعمة وقادهم ما هم فيه من سعة العيش إلى الطغيان وكفران النعم فويلٌ هلم مما كسبوا .

قال الله تعالى: (( وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ) ) (المزمل:11) .

يا عباد الله: إن الترف داءُ عضال، ومرض قَتال ، إن استشرى في أمّة ذهب بعزها وأرثها كسلاً وخمولاً ، وركوناً إلى الدنيا ومحبةً لها وحرصاً عليها فلا يرتجى منها نفعاً ولا ينتظر منها دفاعاً عن الحق ، والتاريخ يشهد بهذا .

والمترفون هم من يتتبّعون اللذات الحية سواء كانوا من عليه القوم ـ وهو الغالب ـ أو من غيرهم وهم مَنْ يعترضون على المرسلين واتباعهم من المصلحين ويردّون دعوةَ الحق ويتبجحون بالأسباب المادية الفانية ويفخرون بما هم عليه .

قال ربنا ـ جل وعز: (( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا ) ) (سبأ: 34- 37) .

(( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) ) (الإسراء: 16) .

فسنه الله أنه إذا قّدر لقريةٍ الهلاكَ فإنها تأخذ بأسباب الهلاك فيعمُّ الفسق والشر فتحقُ عليها السنة الإلهية وينزلُ بها الدمار بما كسبت، ويصيبها العذاب لأنها رضيت فلم تأخذ على أيدي المترفين بل تركتهم يمارسون شهواتهم المردية، وأهوائِهم المضللة فنشروا الفسق فأدّى هذا الفسق إلى الدمار والبوار، تصرّفاتُ المترفين المتهوّرة وغير المسؤولية توقع في البلاء ونظروا إلى قارون المترف حينما وجه له أهل الإيمان النصح بقولهم: (( لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ {76} وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) ) (76- 77) .

بادر قارون قائلاً: (( قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) ) (78) .

فكانت النتيجة (( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) ) (القصص: 81) .

وتأمل صورةً من صور الترف ألا وهي الاستخفاف بالناس استنادا إلى الماديات الزائلة قال تعالى: (( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ * فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ * فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ) ) (الزخرف:55,51)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت