فهرس الكتاب

الصفحة 8266 من 9994

* أن الأولاد وبقية الورثة لا يهمهم إلا إرثهم ، أما الوصية ، فإنهم يحرصون على التخلص منه بأية وسيلة ، بل ويضيقون بها ذرعاً ، وينتج عن ذلك أن كثيراً من الأوقاف والأموال الموصي بها تضيع لهذه الأسباب .

* أن هذه الأموال الموصي بها من أوقاف وغيرها ، لا تؤدي دورها الذي رجاه صاحب المال وجمعه وتعب عليه طول حياته ؛ لأنه غاب عنها ووكلها إلى غيره .

ودعوني أضرب مثالاً: أرجو أن يعيه إخواني التجار .

ما رأيك لو كان لك عدد من الأولاد الصغار وأنت كبير السن قد دنا أجلك ما تحب لهم ؟

هل يرضيك أن تتركهم أيتاماً بعد موتك ، حتى لو تركت لهم مالاً ؟

أم تحب أن يمدّ الله في عمرك وتعيش معهم عدداً من السنوات حتى تربيهم ويرتفعوا فلا يحتاجون بعدك إلى أحد ؟

إن الوقف والوصية شبيه بأولادك ، إن تركته بعد وفاتك صار يتيماً وضاع ، ولكن إن حددته في حياتك وأنت قوي قادر ، ثم أشرفت عليه ورتبت أموره المالية والإدارية نفع وعظم خيره بإذن الله تعالى ، لأنك سترعاه وتحافظ عليه كما تراعي أولادك الصغار ، ولتعلم أن هذا هو الذي كان يفعله كثير من السلف:

فهذا أبو طلحة الأنصاري لما نزل قوله تعالى: (( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) ) ( آل عمران: 92) قال: يا رسول الله ! إن الله تعالى قال: (( لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) ).

وإن أحب أموالي إليّ (بيروحا) بستان جميل في المدينة وإني جعلتها في سبيل الله .

وهكذا أوقفها في حياته وقصته في الصحيحين وغيرهما [3]

وهذا عمر رضي الله عنه لما جاءته سهامه من خيبر جعلها في سبيل الله تعالى فحبسها في الأقارب والفقراء والمساكين [4] .

وقد فعل ذلك عمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أنه عاش بعد ذلك سنين: وينبغي أن تعلم أخي التاجر المحسن أن هذه الطريقة التي بها تحدد أوقافك ووصاياك في حياتك فيها فوائد جمّة، منها:

* إشرافك المباشر عليها في حياتك حتى يعظم نفعها .

* أنه يمكن ترتيب الإدارة الجيدة التي تجعل مشروعك الخيري يمتد لسنين وربما لقرون طويلة ، ولك أجرها .

[1] حديث صحيح ، رواه أحمد: ، وابن خزيمة ، والحاكم ن وابن أبي حاتم بإسناد صحيح ، الأثر .

[2] رواه الطبراني بإسناد حسن ، انظر: صحيح الترغيب (912) .

[3] رواه البخاري: (2758) ، ومسلم (998) .

[4] رواه البخاري (2737) ومسلم (1632) .

وكان أجود ما يكون في رمضان

روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن ، فالرسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المرسَلة ) ) [1]

هذا الحديث له دلالاته الكثيرة ، وأحب قبل الانتقال إلى هذا الموضوع أن أقف وقفات:

إحداها: أن ابن عباس قدم لهذا الحديث بقوله:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس"، وهذا على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها ، مما قد يظنَّ أن جوده خاص في رمضان ونحو ذلك .

وقد ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأجود الناس ) ) [2] .

الثانية: الجود هو الكرم ، وهو في الشرع أعم من الصدقة ، ولذا عرّفه بعضهم بأنه: ( إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي ) لكن من أعظم مظاهره: بذل المال ، وإلا فالشهيد يجود بنفسه في سبيل الله تعالى ، وفاعل الخير يجود بنفسه في خدمة إخوانه ، والعالم يجود بوقته وعلمه في سبيل نشر العلم ..وكهذا .

الثالثة: تشبيه جود الرسول صلى الله عليه وسم بالريح المرسلة ، بل هو أجود بالخير منها: فيه دلالة على أمرين عظيمين:

* السرعة ؛ كالريح ، فهو سريع في بذل جوده ببذل بدون تلكؤ أو توانٍ * وصف الريح بالمرسلة إشارة إلى أنها ريح خير تهبّ بالرحمة ، وإشارة أيضاً إلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع من تهبّ عليه من البلاد .

والآن ننتقل إلى الحديث عن الموضوع فنقول: إن جود الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الشهر الكريم ، واقتداءنا به عليه الصلاة والسلام في ذلك ، إنّما جاء ضمن دلالات خاصة يختص به هذا الشهر المبارك ، أهمها:

* جود الله وعظيم فضله على عباده في رمضان .

* مدارسة القرآن وأثرها على النفس وغناها .

* مجالسة الصالحين وأثرها في استقامة السلوك وعلو الهمّة ، ومن ذلك: أن يبذل الإنسان ما له فيما ينفعه .

* فضل الصدقة عموماً ، فكيف إذا كانت في رمضان .

ما هي أهم مظاهر الجود ؟

أولاً: جود الله وعظيم فضله على عباده في رمضان:

في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: (( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ) ) [3] .

فإذا كان جود الله تعالى عباده تميز هذا التميز بالنسبة للصائمين ولا شك أن رمضان أفضل الصيام ؛ لأنه فريضة ، وأحب الأعمال إلى الله ما افترضه على عباده فكيف لا يجود العباد على إخوانهم في هذا الشهر الكريم من هذا المال الذي هو أولاً هبة وعطيّة من الله تعالى ، لا كما قال الكافر قارون: (( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ) ) (القصص: 78) .

ثم إنه ثانيا لا شك زائل ؛ لأنه إما أن يزول عنك ، أ, تزول عنه بالموت حين يتبعك مالك مع أهلك وعملك فيرجع اثنان المال والأهل ، وتبقى حبيس عملك فقط .

فرسول الله صلى الله كان أجود ما يكون في رمضان ؛ لما يرى من جود الله تبارك وتعالى .

ثانياً: مدارسة القرآن وأثرها: في هذا الحديث: (( وكان يلقاه أي جبريل في كل ليلة من رمضان فيُدارسه القرآن ) ) [4] .

هذه المدارسة تجدد له العهد بمزيد عنى النفس ، وهي ليست للحفظ فقط ، فقد كان صلى الله عليه وسلم يحفظ القرآن، فالمدارسة لأمور كثيرة منها:

* أن رمضان شهر القرآن .

* أهمية المدارسة بخشوع وتدبر وأثر ذلك في عظم العلم والفهم لكتاب الله تعالى .

* أثر القرآن على النفس وغناها ، ومن ثم جودها .

ومظاهر أثر القرآن في النفس كثيرة جداً - لا يمكن إحصاؤها - والله يقول: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ) ) (يونس: 57، 58 ) .

وأحب أن أقف وقفات قصيرة متعلقة بالاقتصاد والمال وتقويم الأشياء في القرآن:

الوقفة الأولى

علَّمنا الله في كتابه الحلال والحرام وأثرهما في الحياة فقال جل شأنه: (( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) ) (البقرة: 276) وهذا يدلُّ على أمرين:

* أن جمع المال بطريق الربا والحرام مهما كثر هو عند الله ممحوق البركة ، وحين يمحق وتمحق بركته يتحول إلى وبال على صاحبه .

* أن الصدقات يربيها وينميها تعالى لعباده حتى تضاعف أضعافاً كثيرة

فـ (( اللقمة يربيها الله تعالى بيده حتى تصير مثل جبل أحد ) ) [5] .

وهكذا:

* فالربا في المنهج الاقتصادي الإسلامي يساوي: لا شيء .

* والصدقة في المنهج الاقتصادي الإسلامي تساوي: مضاعفة إلا ما لا نهاية .

الوقفة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت