فهرس الكتاب

الصفحة 7384 من 9994

إنه ارتباطَ بالهجرة التي أشرنا إليها وهي تبعث همةً عظيمةً في جوانب شتى من جوانب الحياة ، فهي تميز لا تميع ، تخبرنا عن أولئك النفر القليل الذين كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا قلةً لا يتجاوزون بحال من الأحوال المائة - وإن كان بعض أهل السير قد ذكر أن عدتهم أقل من ذلك - وهؤلاء كانوا يعيشون في مجتمع كامل يخالفهم في عقائدهم وتصوراتهم ، ويخالفهم في عاداتهم وتقاليدهم ، بل ويخالفهم في كل أقوالهم وأعمالهم .. فهل قالوا:"نكون مع القوم وليس لنا قدرة على أن نكون نحن أنفسنا دون غيرنا"؟! لقد ضلّوا متميزين في وسط هذا المجتمع الكامل ،لم يذوبوا ولم يتميعوا ، لم ينسلخوا ولم يتجردوا من هويتهم وعقيدتهم وإيمانهم ، فظلوا متميزين حتى جاءت الفترة أو اللحظة العظيمة في هدي وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم عندما هاجروا إلى المدينة .

وهذه الهجرة عزيمة لا هزيمة .. كانوا يحملون في قلوبهم إيماناً أرسخ من الجبال الرواسي ، وأعلى من القمم الشامخة العالية ، ولذلك كانت عندهم عزيمة عظيمة ماضية ، لم تنل لهم قناة ، ولم يتراجعوا في رأي ، ولم يندخروا في معركة نفسية أو قوليةِ أو جدلية .. لماذا ؟

لأن ذلك الإيمان كان يصبّ في قلوبهم ونفوسهم من القوة الإصرار شيئاً عظيماً .

أليس ذلك كله يذكرنا في مبدأ العام ؟! ينبغي أن تكون عزائمنا مسلحةً بالإيمان ، وراجعةً إلى قوة اليقين ، ومنبعثةً من أصالة الإسلام وثبات مبادئه .

ثم نرى أيضاً أن الهجرة عمل لا كسل ..لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق أجمعين - لم يكن ليبلغ ما بلغ مما فتح الله عز وجل به عليه وهو يأكل - كما يقولون - ملء مضغيه ، وينام ملء جفنيه ، ويضحك ملء شدقيه .

لم يكن النبي - عليه الصلاة والسلام - هو الذي قد حصل له ما حصل ، لم يكن ذلك بمجرد دعواتِ في أعقاب الصلوات ، ولم يكن ذلك أمراً سهلاً هيناً ، بل كان طريقاً صعباً وعراً ، وكان عملاً مجهداً شاقاً ، وكان بذلاً عظيماً كبيراً .. إن هذا كله يثير في الأمة وفي نفس أفرادها في مبدأ كل عام كيف جاهد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وكيف ظلَّ يعمل بلا كللٍ ولا كسل ، وهذا أمرٌ مهم ؛ لأننا أمة العمل { وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنين } .

إن الأقوال التي نجزيها ونرسلها ، وإن الأمنيات التي نحوكها ونتخيلها ، كلها لا تغني في واقع الأمر شيئاً .. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كافح وجاهد لعزيمة وبتميز في مكة ، ثم جاهد وانتقل إلى المدينة ، ثم جاهد وقاتل في معارك شتى حتى دمي وجهه الشريف ، وكسرت رباعيته وهو يقول: ( اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون ) .

هكذا يترسم لنا الهجرة الطريق ، الذي ينبغي أن نعرف طبيعته ، وأن نعرف ضرورة السلوك فيه ، والأخذ بالعزيمة فيه .

ونرى الهجرة أيضاً فداءٌ لا ارتخاء .. كيف خلّف النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته ديارهم وأرضهم ، ومواطنهم التي ولدوا فيها ، ومراتعهم التي نشأوا فيها .. ذلك الحنين الفطري الطبعي إلى الأرض التي عاش بها الإنسان .. حتى خرج النبي صلى الله عليه وسلم ملتفتاً إلى مكة: ( لولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت ) ، وكانت أحب بقاع الأرض إليه .

وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه الصحابة يبينون أن الحياة فداء وتضحية لأجل مرضاة الله ، ولأجل إعلاء راية الله ، ولأجل إقامة دين الله في الأرض .. خلفوا ورائهم الأهل والديار والأموال ، لم تجذبهم ولم تقعدهم ولم تحل بينهم وبين الانطلاق إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى ، وكم نحن في حاجة - في مبدأ كل عام - أن نعرف أنه لا ينبغي أن يعترض طريقنا إلى رضوان الله وإلى إعلاء رايته وإلى نصرة دينه شيء من حظوظ الدنيا .. من زوجةٍ مؤنسةٍ ، أو أبناء مشغلون ، أو دنيا ملهية ، أو أموالٌ مطغية ، أو غير ذلك ..كل هذا ينبغي أن يكون مؤخرا .. { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ .. } ، إنه الأمر المهم الذي لا ينبغي أن يغيب عن البال أبداً .

تاريخ الهجرة مبعث همة في بداية كل عام ، وهذا الذي يحتاجه الإنسان في مبدأ كل عام ، وفي مبدأ كل مرحلة .

لا يحتاج في مبدأ العام أن يقول:"كل عام وأنتم بخير"، وأن تشتغل أجهزة الإعلام لتقدم لنا المسلسلات والأفلام بمناسبة بداية العام .

إن بداية العام بداية جدٍ ، إنها بداية عزم ، إنها تأكيد همةٍ ، إنها بداية انطلاقةٍ قوية تستدرك ما فات وتعوضه ، وتحاول أن تختصر الزمن لتعوض ما فات منه ، وهذا هو الأمر المهم الذي ينبغي أن نتبه له ، وأن نلتفت إليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت