فهرس الكتاب

الصفحة 7385 من 9994

وأيضاً تاريخ الهجرة موطن عبرة ، وهذا أمر مهم ؛ فإن تعلّق العبادات جعل مرتبطاً بالتاريخ الهجري وليس بغيره { يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج } .

جعل الله سبحانه وتعالى أمر العبادات في كثيرٍ من أحوالها مرتبطٌ بالتاريخ الهجري المتميز ، إنه تاريخ هجري مرتبط بالتقويم القمري لا بالشمسي ولا بغيره .

ألسنا نحتاج - كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم - في كل رمضان أن نتحرى الهلال ( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته ) ؟

ألسنا نحتاج ذلك في الحج ؟ ألسنا نراقب الشهور أولاً بأول ، وننظر في دخولها وخروجها ؟

إن هذا الأمر فيه عدد عظيم من الحِكَم والعبر الجليلة .

أمر التحري والمتابعة .. أمرٌ يجعل الإنسان يتيقظ لمرور الأيام ، وتوالي الشهور ، وتعاقب الأعوام .. إنه ليس الإنسان الذي يغمض عينيه ويمشي حتى ينتهي العام فلا ينتبه إلا الذي بعده .. إنه في كل وقت يتذكر ويتحرى .. إنه في كل لحظة يحسّ قيمة الزمن الذي ينصرم وينقضي .

وأيضاً ربط العبادة بذلك الحدث المتعلق بتعاقب الزمان والمكان هو أيضاً أمر يعلّق الإنسان بقدرة الله - سبحانه وتعالى - ويجلي لنا القدرة التي تغيب .

نحن نرى الشمس كل يومٍ ساطعة ، ولكننا نرى القمر وهو يبدأ هلالاً ، ثم ينتصف بدراً ، ثم يعود محاقاً ويرجع هلالاً .. إنه أمرٌ متغيرٌ يدفع إلى التأمل والتدبر ، ويذكّر بعظمة خلق الله سبحانه وتعالى ، ويذكّر - كما أشرنا - بتعاقب وتغير الأحوال ، وانصرام الأزمان وهذا أمرَ مهم .

والعبادة - أيها الأحبة - من حكمة الله أن جعلت مرتبطة بهذا التقويم ، فرمضان مرة في صيف ، وأخرى في ربيع ، وثالثة في شتاءٍ ، ورابعة في خريف وهكذا ..

ليس في كل وقت يكون حجّك أو يكون صيامك في فصل واحدٍ ، وهذا من الحكمة والعبرة ، وفيه تقلب الأحوال وثبات المسلم على طاعة الله . إن كان شتاءً فالصوم هين ، وإن كان صيفاً فالصوم شاق ، وإن كان نهارٌ قصير فالصوم فيه سهل يسير ، وإن كان نهار طويل فالصوم فيه شاق عسير .. وكل ذلك من التقلبات .

والعبد مقيم على طاعة الله كأنما هو تدريبٌ له ، وكأنما هو امتحانٌ له ، وكأنما هو يظهر لربه أنه متقلبٌ في طاعته وملازمٌ لها مهما تغيرت الأحوال والظروف ، وكل هذا فيه عظة وعبرة .

لوثبتنا على التاريخ الميلادي - كما يقال - فإن كل الأحوال التي قد نختارها أو الزمن الذي قد يعين يبقى إما صيف وإما شتاء ؛ لأنه تقويم شمسي يعتمد على الشمس في صيفها وشتائها لا يتغيران وهذه حكمة عظيمة .

فالذين يرون التاريخ الهجري هو مجرد تاريخٍ عادي و يلتفتون إليه في رمضان أو في الحج مرةً واحدة يفوتون الكثير والكثير مما أشرنا إليه .

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:

وإن أمر ارتباط الأمة بالتاريخ الهجري أمر له دلالات كثيرة ، وله فوائد عظيمة ، وإن الأمر الذي ينبغي أن ننتبه له هو:"ضرورة حفاظ الأمة على هويتها في كل جانب من الجوانب"صغيرة كانت أو كبيرة ؛ لأن الذي يتهاون في الصغير من الأمور يوشك أن يقع في الكبير منها .

ولأننا نستقبل الآن - كما يقولون - زمن العولمة الذي يقصدون به: ( أن تصبح الكرة الأرضية كلها عالم واحد"، ومعنى ذلك أن يكون كل شيء فيها واحد ."

وأي شيءِ هذا الواحد الذي يريدونه ؟ إنه ما هم عليه ؛ لأنهم يملكون إلى حد ما في تصورهم القوة لفرضه على الناس .. يريدون أن يفرضوا نظامهم الاقتصادي ، وتقويمهم التاريخي ، ونظامهم الاجتماعي .. وغير ذلك من الأمور .

ألا ترى ما يتوالى من المؤتمرات ، وما يعقد من الندوات ، وما يقال من عدم ضرورة لخصوصيات ، وما يذاع ويعلى شأنه من اختلاط وتلاقح وحوار الحضارات وامتزاج واختلاط وارتباط الثقافات ؟

إن هذا كله مقصود به أن تكون هذه الأمة - الذي يفوق سائر أمم الأرض جميعاً ، فليس في الأمم أمةُ كأمة الإسلام عدتها على دينِ واحدِ مثل أمة الإسلام - أمة تابعة لهم .

وأيضاَ لننظر إلى جانب أخر وهو جانب: المواقع والثروات لبلاد الأمة الإسلامية

يراد أيضاً أن تنزع هذه المزية ، فضلاً عن القضايا العقدية والإيمانية والتاريخية والتراثية واللغوية والحضارية ..كل هذا في موجة عاتية تصبّ علينا عبر صحفٍ ومجلات ، وعبر قنوات وشاشات ، وعبر ندوات ومؤتمرات حتى صمت الآذان وصرنا - كما قلت - نسمع عام ألفين أكثر مما نسمع عام كذا من الهجرة وعام كذا من الهجرة ! وحتى صار كثير من الأمور يتحول تحولاً عجيباً وسريعاً نحو هذا التأقلم والتطبع والتغير الذي يفرض فيه القوي مبدأه على الضعيف .

ونحن في هذا الموقف وفي هذا الموطن ، وفي هذا الدرس والعبرة ، وعند مفتتح العام وبداية إطلالته نذكر بأننا أمةٌ متميزة سابقة ، لا بد أن تكون كذلك ؛ لأن الله أرادها أن تكون كذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت