فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
التربية في الإسلام لم تترك للاجتهادات الإنسانية البحتة، ولا لمن تستهويهم المبادئ المستوردة، وتأسرهم الأفكار الوافدة لتأخذ بهم ذات اليمين تارة، وذات الشمال تارة، ما بين رجعية وتقدمية، واشتراكية ورأسمالية، وفي مدرسة كذا، وعند مدرسة كذا، ونظرية فلان، وقانون فلان.
التربية - أيها الفضلاء - ليست بضاعة للتصدير، والاستيراد، ولكنها لباس يفصل على قامة الأمة؛ ليعكس حقيقتها وملامحها، حقيقتها في الباطن، وملامحها في الظاهر.
التربية تجسد أهداف الأمة التي تعيش من أجلها، وتموت في سبيلها، تجسد العقيدة المستقرة في قلوبها، واللغة التي تنسج بها حضارتها، والمثل الأعلى الذي تطلع إليه، والتاريخ الذي تغار عليه.
أمة الإسلام بحاجة إلى نظام تربوي وسياسة تعليمية تناسب طبيعتها، وتسير مع مثلها العليا في عقيدتها وشريعتها وروحها الجهادية ؛ لتعود لها عزتها، وتسترد أمجادها.
تربية تقوم عليها حياة المسلم من أولها إلى آخرها، وتشمل المجتمع بكل طبقاته، وتعيش معه في كل ظروفه وأحواله.
تربية إسلامية منهجية، تنتظم كل سنوات العمر ومراحل الدراسة؛ من رياض الأطفال حتى أعلى الدراسات العليا، يكون التغيير بها عملياً إلى الصلاح والإصلاح واستعادة العزة وتثبيت الكرامة تربية إسلامية تصلح القلوب، وتطبب النفوس، وتزكي العقول في تقدير للمواهب، واعتراف بالفروق بين الأفراد، فكل ميسر لما خلق له.
التربية تعني - بإذن الله - وظيفة صناعة الرجال، وصياغة العقول، وصيانة السلوك، وتحقيق أهداف كل العلوم ؛ ليكون الإنسان قادراً على حسن المسيرة في هذه الحياة وفق أهدافه النبيلة وغاياته السامية.
التربية هي تعاهد المسلم بالإصلاح في عقيدته وعبادته وخلقه.
التربية هي السعي إلى إصلاح الحياة في كل جوانبها من أجل بلوغ السعادة في الدنيا والآخرة.
أيها الإخوة المربون: ومهما قيل في تفسير السعادة ومعناها فلا محيص من التأكيد والتقرير: أن التربية هي احتفاظ الأمة بالقيم التي تقوم عليها حياتها، والجهاد من أجل بقائها، والنقل الأمين إلى الأجيال القادمة.
ونحن المسلمين، الفواصل عندنا واضحة بين الكفر والإيمان، والدين والزندقة، والالتزام والتحلل، والحلال والحرام، إن عندنا في ذلك خطوطاً فاصلة وفوارق واضحة، أما الآخرون فعقائدهم مبهمة غامضة، كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110] .
وبعد - أيها الإخوة المسلمين، أيها الإخوة المربون: لقد آن الأوان أن تصاغ التربية ونظام التعليم في الأقطار الإسلامية في الروح والقالب والسبك والترتيب، يجب أن تدون العلوم تدويناً إسلامياً، وتؤلف الكتب والمناهج مشبعة بروح الدين وما لا يعارض الدين، بل تبعث الإيمان واليقين في العلوم كافة: النظري منها والعملي، إن الأمة إن فعلت ذلك فلسوف تنشأ أجيال تفكر بعقل مسلم، وتكتب بقلم مسلم، وتدير دفة أمورها بسيرة رجل مسلم، وتقوم على شؤونها كلها بمقدرة مسلم وبصر مسلم.
وهو عمل كبير واسع، ولكنها الحياة والقوة - بإذن الله - تقوم عليها لجان ومجامع وهيئات تحت مظلة الحكومات الإسلامية ودعمها وتشجيعها، وهو يسير - بإذن الله - إذا صدقت النيات، وتوجهت العزائم، وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة:105] .
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم وبهدي محمد .
وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله يقول الحق وهو يهدي السبيل، أحمد سبحانه وأشكره وهو حسبنا نعم الوكيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند ولا مثيل، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله جاء بأشرف تنزيل، ودعا إلى كل خلق جميل، وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، أدّوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وحفظوا هذا الدين من التحريف والتبديل، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
ففي التربية الإسلامية يكون المسلم عاملاً منتجاً، يقوم بمهمة الاستخلاف على وجهها، فيزيده الله قوة إلى قوته، ويمتعه متاعاً حسناً، وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3] . وَياقَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُمْ مّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ [هود:52] .
تربية إسلامية في مبادئ عظيمة تجمع التقوى والرحمة والإيثار والعفو والأخوة والقوة، في حقوق مرتبة من حقوق الله وحقوق الوالدين والأقربين وحق الكبير والضعيف؛ فيعطى كل ذي حق حقه في آداب وسلوكيات دقيقة: من آداب الإسلام والاستئذان وآداب الحديث والطعام وطلب العلم والزيارة وعيادة المريض، في وسائل من التوجيه بالقدوة والموعظة، وحسن العبارة وأدب المناصحة، وتلمس الحقيقة، والبحث العلمي في منهج علمي في التفكير، وجدية في الطلب، ومجاهدة في التحصيل، مع رعاية ووقاية من أمراض القلوب من الكبر والحقد والحسد والرياء والغرور وسوء الظن وحب الدنيا وغلبة الهوى والشح وأمثالها.
المسار في التربية الإسلامية هو الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، واجتناب طريق المغضوب عليهم والضالين.
في التربية الإسلامية القرآن الكريم والسنة والمطهرة هما الأساس الذي تدور عليهما حمى التربية ومراحل التعليم كلها.
والقدوة الأولى والنموذج الأعلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم، والعلم قبل القول والعمل، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ اله إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:19] .
ومما يذكر في هذا المقام ويشكر، ويذكر به وينوه: ما تقوم عليه هذه البلاد - بلاد الحرمين الشريفين - من سياسة تعليمية مكتوبة معلنة، مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله محمد ، كما هو شأنها في أمرها كله، فلله الحمد والمنة.
سياسة تعليمية تربوية تحتذى من مبادئ تجسد دينها وأخلاقها وأهدافها ومصالحها الحقيقية، سياسة ترسم الخطوط العامة التي تقوم عليها عملية التربية والتعليم، أداءً للواجب في تعريف الفرد بربه ودينه وإقامة سلوكه على شرعه، وتلبية لحاجات المجتمع وتحقيقاً لأهداف الأمة شاملة لحقول التعليم ومراحله المختلفة، والخطط والمناهج والوسائل التربوية والنظم الإدارية والأجهزة القائمة على التعليم وسائر ما يتصل به، وإن المسؤولين عن التربية والتعليم -وفقهم الله- هم المسؤولون عن تطبيق هذه السياسة، وإنهم لحريصون -بإذن الله- عن البعد عن التأثر بأي أفكار مستوردة تعارض هذه السياسة أو تناقضها، فبلادنا - بحمد الله وفضله - رائدة في التزام الشريعة وتطبيقها ونموذج في نهج التربية الإسلامية وفق الله أمة الإسلام جميعها بشعوبها وقادتها وعلمائها ومربيها، ورزقهم نور البصيرة وصفاء السريرة وسداد الرأي وصدق القول وحسن العمل وسلامة التخطيط والتزام صراط الله المستقيم، إنه سميع مجيب.