لننظر أيضاً إلى هذه الأمة ، كيف كانت مِزقاً ممزعة وأشلاءً مقطعة ، وكيف كانت حروباً متناحرة ، وكيف كانت أفئدة متباغضة ؟ وكيف كانت أنفساً متباعدة ؟ كيف كان لا يربط بين الفرد والفرد شيءٌ إلا مصلحة أو عصبية ، ثم لننظر أيضاً إلى ما كان فيها من سفاسف الأخلاق والفجور والخنا وشر الخمور وغير ذلك من كل ما نحن ملمّون به وعارفون بكثيرٍ منه .
ثم ما الذي غيّر ذلك كله ، لم يتغير في حال الأمة ، أو في حال العرب في ذلك الوقت شيءٌ إلا بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتنزل الوحي الكريم عليه - عليه الصلاة والسلام - في غار حراء .. { اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم ، الذي علّم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم } .
أول نورٍ نزل من السماء لينشر الضياء ، ويبدد الظلمة وأول هداية نزلت لتلغي الضلالة ، ولترشد إلى الحق وإلى الطريق المستقيم ، هذا هو التغير الوحيد ، وهو الذي يفسر به كل ما تحول به كل العرب من ضعف إلى قوة ، ومن فرقةٍ إلى وحدة ومن ذلةٍ إلى عزة ، ومن سفاسف الأخلاق إلى مكارمها ، ومن مساوئ الأفعال إلى محاسنها ، إلى غير ذلك مما تغيّر به وجه الأرض .
ولننظر إلى ما نحن نريد أن نصوّره ونجسّده في ربط الأمة بالقرآن .. بهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - كيف ربطها به ؟، وكيف تحقق ذلك حيّاً في واقعها هو القائل - عليه الصلاة والسلام -: ( خيركم من تعلّم القرآن وعلمه ) .
فجعل الشرف الأعظم والخيرية الكبرى ، وكل تقدم وعلو ورفعة في هذه الأمة مقياسه مرتبط بالقرآن الكريم .. مقياسه مرتبط بكتابه - عز وجل - ليكون هذا الكتاب وهذا القرآن هو محور الحياة ، وجوهر التقويم والرفعة والضعة في هذه الأمة ، ولكي يُلغي حينئذٍ كل اعتبار من حسب أو نسب أو جاه أو مال أو قوة أو سلطان إلى غير ذلك مهما تنوع .. ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه ) .
ثم يجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - خير الدنيا أو منزلة الدنيا العظيمة ومنزلة الآخرة العظيمة مرتبطٌ بكتاب الله - سبحانه وتعالى - . فها هو - عليه الصلاة والسلام - يقول: ( يقال لقارئ القرآن يوم القيامة اقرأ وارق ورتل فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها من كتاب الله ) .
وهاهو - صلى الله عليه وسلم - يبيّن أن القرآن يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه ، وهاهو من بعد يكشف لنا ما علمه لأصحابه فاتخذوه منهجاً ، فهذا عمر الفاروق - رضي الله عنه - يلتقي أمير مكة في موسم الحج فيقول: من خلفت على أهل مكة ؟ فيقول: خلفت عليهم ابن أبزى ،فيقول الفاروق - رضي الله عنه -: ومن ابن أبزى هذا ؟ فيقول:مولىً من موالينا ، فيقول:خلفت عليهم مولى من الموالي !! -كأنه ما استحسن صنيعه - فجاءه حينئذٍ أمير مكة بالمؤهلات العظيمة التي كانت لهذا الرجل حتى يُولي أمر الأمة ، ويكون مسؤولاً عن مصالحها نيابة عنه . قال: يا أمير المؤمنين إنه قارئٌ لكتاب الله"شهاداته العليا وخبراته العظمى مرتبطة بالقرآن الكريم حفظاً له ، وفهماً لمعانيه .. تدبراً في آياته .. تطبيقاً لأحكامه .. خوفاً من وعده وتعلقاً بوعيده"فينطق عمر - رضي الله عنه - بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يدّوي في سمع الزمان ، وينبّه الأمة إلى كل خلل أو نقص في هذا الميزان: أما إني سمعت رسولكم - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين ) .
وهكذا نجد أن الربط بالقرآن في كل شيء . فأعظم وأجّل وأكبر مهمّة في الإسلام في أعظم فريضة من فرائضه بعد التوحيد وهي الصلاة ، جعل التقدم فيها والإمامة لها مرتبطٌ استحقاقها بكتاب الله - عز وجل -: ( يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله ؛ فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم سلماً ؛ فإن كانوا في السِلم سواء فأقدمهم هجرة ؛ فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً ) .
انظر المراتب كيف تكون ؟ والمقاييس كيف تؤصل كما جاءت في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - .
ومن هنا قال أنس - رضي الله عنه -كما في صحيح ابن حبان:"كان الرجل منا إذا حفظ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا". أي عظمت منزلته ، وارتفعت مكانته ، وصار يُشار إليه بالبنان ، وينظر إليه الناس نظرة التقدير والاحترام .
ومن هنا ورد في الموطأ أيضاً عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه حفظ البقرة في ثمان سنوات ، حفظ معرفة وتفسير وأحكام وفقه وتطبيق على ما كان من منهج السابقين ،كما قال عبد الرحمن السُلمي:"كان الذين يقرئوننا القرآن من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتجاوزون بنا العشر من الآيات حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل فتعلمنا العلم والعمل جميعاً".
هنا يظهر الفرق ، وهنا تتجسد الموازيين المختلفة التي تغيرت في حال الأمة عما كانت عليه في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - .